فهرس الكتاب
صغارهم أن ناصروا كبراءهم، فكذلك لم ينفع الزعماء تخطيطهم ومحاولتهم مباغتة نبيهم بالقتل قبل أن يأتيهم العذاب، ظنا منهم أنهم إن سابقوه بالقتل لنجوا من العذاب الذي هددهم به، فأخزاهم الله تعالى فلم ينتصروا.
وفي قوله تعالى (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (46) فلم تبين الآيات في هذه السورة مشهد إهلاك قوم نوح وإن كان ذلك مستفاد ضمنيا من السياق الذي ذكروا فيه، لكنها علقت على جريمتهم التي استحقوا العذاب بسببها ألا وهي (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) ، ومن ثم فإنه من العرض القرآني لهذه الآيات يتبين لنا أنها ذكرت مشهد إهلاك قوم عاد دون أن تبين لنا إمهالهم وذكرت الآثار التي ترتبت علي مهلكهم، أما في قوم عاد فقد بينت المهلة أولا ثم مشهد مهلكهم ثانيا ثم آثار التدمير التي ترتبت على الإهلاك، وأخيرا قوم نوح فلم تبين لنا غير جريمتهم التي استحقوا عليها العذاب والاستئصال والإهلاك، وهي أنهم كانوا قواما فاسقين، ذلك أن استمرارهم في المعصية والكفر زمنا طويلا واستمرار نبي الله نوح في جدالهم قرابة ألف عام ليدل على أنهم مصرون على الكفر إصرارا لا عدول عنه، قال تعالى (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (32 - 34) ، وهنا تأتي المفارقة والمفاصلة والغلبة لأهل الحق على الباطل، قال تعالى (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (36) .
إذن من قصة إهلاك الله تعالى لقوم لوط ومن بعده فرعون وجنوده ومن قبلهما قوم عاد وثمود وقوم نوح، كل ذلك ليؤكد لنا أمرين، الأول أن سنة الإهلاك تأتي بعد استنفاذ سبل الإنذار والإرشاد ووصولهم لأعلى مراحل الطغيان والعتو، والثاني أن سنة الله تعالى في الاستخلاف إن توليتم يستبدل قوما غيركم، فهو القائل في كتابه (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (57)
قال تعالى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)
وهنا بعد أن أشارت الآيات إلى مصارع الغابرين كان من المناسب أن تبين ما آلت إليه الثورة الإلهية من تطهير للبلاد وهو ما يستتبع ذلك من تعمير للكون، فلولا أن الله أهلكهم لعم الفساد في البر والبحر، ولما انتصر