فهرس الكتاب
وهم على حالهم، ذلك أنهم أضافوا إلى جريمة التي تمثلت في عدم تنفيذ أمر الله تعالى بالنهي عن ذبح الناقة جريمة أخرى ألا وهي العتو والاستكبار في الأرض، فلم يأخذهم الله تعالى أول ما عقروا الناقة ظلما، فهو أمر إلهي شرعي لكنه غير معقول المعني فلم تظهر فيه العلة من عدم ذبحها أو النهي عن أن يمسها أحد بسوء، ولذلك أمهلهم الله تعالى حتى يستنفذوا كل جريمة يضمرونها في قلوبهم ولم تخرج لحيز التنفيذ بعد، قال تعالى {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ?إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 182 - 183] ، فتآمروا على قتل نبيهم صالح وكتموا ذلك فيما بينهم، قال سبحانه (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (النمل/48 - 53) ، إذن معصيتهم في عدم امتثالهم لأمر الله تعالى بالنهي عن إيذاء الناقة وعقرها تعدت إلى معصية أخرى تجرؤا عليها ألا وهي نيتهم في قتل نبيهم صالح عليه السلام، وكأن الذي يقتل حيوانا بغير حق يستطيع أن يقتل إنسانا بغير حق، وذلك هو الإفساد في الأرض الذي استحقوا عليه العذاب، لكن لما كانت الأحكام تعلل بأوصاف مادية ظاهرة ولا تعلل بحكمة الشارع، فقد أنزل الله عليهم العذاب لعلة قتل الناقة وإن كانت جريمتهم في تبييت النية لقتل نبيهم أشد ظلما وعدوانا، وقد نالوا جميعا هذا العذاب لأنهم مكنوا سادتهم وكبراءهم في تحكيم أمورهم وإظهار العداوة لنبيهم، قال ابن كثير: وإنما غلب هؤلاء - التسعة رهط - على أمر ثمود لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم، فعن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة أي الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم، ولذلك تحدوا أمر الله بمخالفة أوامر نبيهم، بل وبيتوا النية لقتله، قال سبحانه (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (77) ، ولم ينفعهم الندم حين قتلوا الناقة، وإنما عمهم الله بالعذاب لأنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يأخذوا على يد هؤلاء الظلمة ولم ينهوهم عن ذلك، وإنما اكتفوا بالندم على ما اقترفه سادتهم وكبرائهم، وهم التسعة رهط، قال تعالى (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) (الشعراء/157 - 158) .
وفي قوله تعالى (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ) تصوير للحالة النفسية لعتاة المجرمين تلك التي يعيشها من يحارب الله ورسوله، ففي ظنهم أنهم قادرون على أن يقوموا قومة واحدة ليهزموا بها أهل الحق، وفي ظنهم أنهم قادرون، وذلك بتبييت النية بقتل نبيهم أو أنهم بتحزبهم سوف ينتصرون على ما حذرهم منه نبيهم، قال تعالى (وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (77) ، فكما أن الندم لم ينفع