فهرس الكتاب
قال تعالى (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) (الشعراء/139) ، يقول صاحب الظلال: (وسميت الريح التي أرسلت على عاد عقيما لأنها لم تكن تحمل ماء ولا حياة كما توقعوا، إنما تحمل الموت والدمار، وتترك كل شيء تأتي عليه كالميت الذي رم وتحول إلى فتات) ، ولئن كان إهلاكهم قد استغرق زمنا فلم يهلكوا مرة واحدة كما أهلك قوم ثمود، قال تعالى (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) (5 - 8) ، ففي ذلك نكاية بهم وتنكيل أشد، ذلك أن جريمتهم كانت العتو والتكبر على خلق الله تعالى، قال سبحانه (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) (فصلت/15) ، لكن لم تغنهم قوتهم من عذاب الله تعالى شيء، قال سبحانه (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) (الفجر/6 - 8) ، ولذلك كان أخذهم دون إمهال هو تهديد لكل طاغ ومتكبر في الأرض وصل في طغيانه وكبره لدرجة لم يصل إليها أحد، فحين يصل إلى هذه المرحلة من الطغيان لن يمهله الله بعدها لحظة وإنما يأخذه بغتة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [1]
وفي قوله تعالى (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) (42) إظهار للقوة التدميرية للريح العقيم وللآثار التي رتبتها بما يصور لنا أثر التدمير الهائل الذي أصابهم، ويؤكد قصد الاستئصال والإفناء التام لهذا الجنس البشري الذي طغى وتكبر واستكبر وعلا في الأرض بغير الحق، وهذه المرحلة لا تأتي إلا إذا تمكن الباطل من أهل الحق، فلم يكن لأهل الحق قائمة يستطيعون بها مجابهة الباطل وقد استعلى عليهم بباطله، وليس لهم منعة إلا بالله، يقول الله تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) {هود/117} .
وفي قوله تعالى (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ) (43 - 45) أظهرت الآيات أن ثمة مهلة منحت لقوم ثمود قبل أن يهلكهم الله تعالى بالصاعقة، فلم يأخذهم بالعذاب أول ما صدرت منهم المعصية التي استوجبوا العذاب بسببها، وإنما أمهلهم قال سبحانه (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (هود/65) ، لعلهم يدركوا التوبة بذلك، قال تعالى (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة/39) ، لكن لما لم تصدر منهم توبة رغم تلك المهلة، وإنما ازدادوا في المعصية عتوا عما أمرهم الله به، نزل بهم العذاب مثلما نزل بقوم عاد حيث أخذتهم الصيحة فصعقوا بها وهم ينظرون، أي
(1) رواه البخاري ج 14 ص 268 رقم 4318