الصفحة 41 من 49

ولم تفصل السورة ما جرى بين موسى وفرعون من حوار دار بينهما بعد ذلك، إذ بدأ الحوار بينهما بسؤال عن الله تعالى (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى* قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه/49 - 50) ثم استقرأ فرعون تاريخ السابقين ليكرر السؤال على موسى مرة أخرى هل ثمة علاقة بين ما جئت به وما مضى من القرون الأخرى؟ أي هل جئت لتهديدي بعذاب الله تعالى؟ (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) (طه/51 - 52) وقد حاول موسى ترقيق قلب الفرعون بتذكيره بآيات الله تعالى ليهدئ من ترقبه تهديد الله له حتى يرتفع عنده قدر الرجاء بقدر ارتفاع الخوف والترقب فيستقبل بذلك الإيمان كما يستقبل الطائر الرياح بجناحيه، (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طه /53 - 55) .

فماذا فعل فرعون بعد ذلك؟ هل اتعظ؟ هل اعتبر؟ إنه تولى بركنه، يقول سبحانه (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى) إنه تبارى مع موسى بعد أن اتهم المعجزة التي جاء بها بالسحر تارة والجنون تارة أخرى، وهنا يبدو أن فرعون يتخبط ولا يعرف ماذا يقول، ليشنع على موسى هل هو ساحر أم مجنون؟ وبعد أن فشل فرعون في مجابهة موسى بالحجة والبراهين تارة وبالتشنيع والتكذيب تارة أخرى لم يبق معه إلا سلطان القوة ليجابه به السلطان الذي جاء به موسى عليه السلام مؤيدا من الله تبارك وتعالى، لكن أيقوى سلطان فرعون على مجابهة سلطان الله تعالى؟ بالطبع كان سلطان الله تعالى أقوى وأغلب، قال سبحانه (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ) ، وتلك هي صورة أخرى من صور الإهلاك الإلهي للقوم الظالمين، صورة من الاستئصال و التطهير للجنس البشري من قوم يحاربون الله ورسوله والقوم المؤمنين، يقول سبحانه (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود/102) ، واليم هنا هو مكان خصه الله تعالى ليكون مهلك فرعون وجنوده، فقد استهزأ من موسى ساخرا وقال (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) (الزخرف/51 - 52) ، وقد أجراها الله تعالى من فوقه بعد أن كانت تجري من تحته، وهكذا يعذب الظالمون بما كانوا يتفاخرون به من ملك، يعذبون بما يلام عليهم من إدعاء الملك والربوبية وما أجرموه في حق شعوبهم ومن استعبدوهم من أقوام آخرين.

وفي قوله تعالى (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) (41) لم تبين الآيات في هذا الموضع المهلة التي مُنِحها قوم عاد قبل إهلاكهم وإنما صورت مشهد إهلاكهم مباشرة بالريح العقيم، دون أن يمنحهم مهلة معينة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت