فهرس الكتاب
ففي قوله تعالى (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ) (38 - 40) كان من المفترض أن يكون مصرع قوم لوط آية لغيرهم من القوم الذين من بعدهم، وقد مر زمن طويل على هذه القصة حيث كانت بالفعل آية ردعت أقوام بعدهم كثيرون، بيد أن الزمان طال وطال حتى حكم مصر فرعون ظالم تناسى مصرع الظالمين قبله، وهكذا يكون الجهل بالتاريخ سببا في تكرار أخطاء الماضي، وأكثر من يقع في هذا الخطأ هم الحكام الظالمون، وقد وقع فرعون في هذا الخطأ، إذ أرسل الله له نبيه موسى عليه السلام، ولا ننسى أن الله يرسل رسله بالبشرى تارة وبالإنذار بالعذاب تارة أخرى، وكذلك يرسل الريح بالعذاب ويرسل الرياح بالبشرى، وقد أيد الله تعالى نبيه موسى عليه السلام بسلطان مبين، فهو مؤيد بسلطان من الله تعالى ليجابه سلطان فرعون في الأرض، فأي السلطانين أقوى من الآخر؟ كان لفرعون سلطانان، سلطان القوة والبطش بكثرة الجند وسلطان التأثير الإعلامي بالتفاف السحرة حوله، وقد حارب دعوة موسى عليه السلام بهاتين السلطتين، نائيا بسلطانه وجنوده عن أن ينزل من قصره ليقابل موسى ويحاوره ويناقشه ويناقش أتباعه ويرد الحجة بالحجة، فلم يكلف نفسه عناء المشقة ليستمع إلى ما يقوله موسى، بل استكبارا عليه وتوليا عن الحق وإعراضا بملكه عنه، مستخذما نفوذه وتأثيره على قومه في شن حرب إعلامية كاذبة لتشويه صورة موسى حين أشار علي الناس أنه ساحر أو مجنون، (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) ، قال مفتي الديار المصرية (والركن جانب البدن. والمراد به هنا: جنوده الذين يركن إليهم، وقوته التى اغتر بها) [1] ، وقال الآلوسى: (ركنه) جانب بدنه وعطفه، والتولي به كناية عن الإعراض، وقال قتادة: تولى بقومه على أن الركن بمعنى القوم لأنه يركن إليهم ويتقوى بهم، والباء للمصاحبة أو الملابسة، وقيل: تولى بقوته وسلطانه [2] .
ولم يُجبر فرعون على الحوار مع موسى إلا أن أيد الله تعالى نبيه موسى عليه السلام بسلطان مبين، قال تعالى (يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) {القصص/30 - 32} ، هنا أُجبر فرعون لأن يفتح حوارا سياسيا مع موسى ليماطل معه ويكسب الوقت لعل الفرصة تكون سانحة لأن ينقض عليه دون أن يظهر أمام قومه أنه ضعف أمام هذان البرهانان.
(1) التفسير الميسر للشيخ سيد طنطاوي ج 1 ص 3977
(2) الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم ج 19 ص 393