فهرس الكتاب
القوم المجرمين، قال سبحانه (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص/58 - 59) .
وتلك الآيات يتعظ بها المؤمنون، ويحذر منها الخائفون من الله، ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أشد عباد الله تعالى خوفا من أن يقع عذابه بقومه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه فإذا أمطرت السماء سري عنه فعرفته عائشة ذلك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما أدري لعله كما قال قوم {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ(24 - 25) } [1] ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحسب لوقوع مثل هذا العذاب على قومه وفي حضرته، فإذا ما وقع العذاب بالقوم المجرمين فإن فيه عبرة وموعظة لقوم مؤمنين ليتجنبوا وقوعه مرة أخرى.
قال تعالى (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ(38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)
أكد المولى سبحانه على استمرار سنته في إهلاك الظالمين على مدار الأزمان، فالأمر ليس خاصا بقوم لوط وحسب وإنما هي سنة كونية شرعها الله تعالى لتكون مثوى كل قرية بطرت معيشتها واستكبرت على حكم الله تعالى ولم تنفذ أمره وشرعه وأسرفت في المعصية حتى الطغيان ليضحى العلاج هو البتر والاستئصال، ولذلك ثنت الآيات بقصة إهلاك فرعون وقد جاء في عهد موسى عليه السلام الذي تلى عصره عصر إهلاك قوم لوط الذي عاصر نبي الله إبراهيم، ومن قبل قوم عاد وثمود، ومن قبلهما قوم نوح عليه السلام، وكأن التأريخ القرآني حين عرض قصص إهلاك القوم لم يسر على ترتيب زمني فحسب وإنما ذكر مستقبل القرى بعد قوم لوط فقصد الإشارة إلى إهلاك فرعون وجنوده في اليم، ثم ذكر إهلاك القرى قبل قوم لوط ليؤكد على تكرار هذه السنة في الماضي لقوم عاد وثمود ومن قبلهما قوم نوح، وهي إشارة إلى أن هذا الإهلاك قد حصل ويحصل وسيحصل، فعلام التكذيب بتلك الآيات وعدم الاعتبار بها وهي سنة كونية مضت وتمضي وستمضي.
(1) رواه البخاري ج 3 ص 1172 رقم 3034