فهرس الكتاب
أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) (الشعراء/163 - 167) .
والضابط في ذلك كله ألا يترتب على محاولة تغيير المنكر باليد منكرا أكبر منه، وتقدير هذه المسألة للعلماء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن نكر سلم ولكن من رضي وتابع) قالوا أفلا نقاتلهم؟ قال (لا ما صلوا) [1] ، وقد بيَّن الإمام النووي المقصود بفي قوله - صلى الله عليه وسلم - (ما صلوا) أنه لا يجوز الخروج على الأمراء أو الحكام بمجرد الظلم أو الفسق ما لم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام، أي أن الأمر ليس قاصرا على ترك الصلاة فحسب وإنما على ترك قواعد الدين مثل الصلاة، كمن استحر القتل بالمسلمين دون تمييز بين مسيئهم ومحسنهم، برهم وفاجرهم، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - (لكن من رضي وتابع) أفاد كذلك أن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع، وذلك بألا ينكر المنكر بقلبه أو بالمتابعة عليه [2] .
وهنا لم يكن بد إلا أن تتحقق المواجهة بين الحق والباطل، وإن كان منهج الإسلام في الدعوة هو تأخير هذه المواجهة إلى آخر مراحل التواصل والمجادلة مع أهل الباطل، فهم يهددونه بالطرد من القرية، وهو يهددهم بعذاب الله تعالى، قال تعالى (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (العنكبوت/29) ، تلك حقا هي المواجهة التي لم يكن نبي الله لوط عليه السلام يأملها، والتحدي بين نبي لا يملك من أسباب القوة إلا أن استعان بالله تعالى عليهم، بين قومه المسرفين الذين يملكون من القوة من يستبيحون به أعراض الرجال، فكان ما كان من أمر إهلاكهم.
وفي قوله سبحانه (وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) ، إجابة على السؤال ماذا حصل بعد إهلاكهم؟ أي ماذا عاد على المجتمع من استئصال هؤلاء منه؟ إن سنة الله تعالى في تعجيل العذاب بأهل القرى نظير انتكاس فطرتهم تحقيق التوازن البيئي في هذا الكون، إذ لولا ذلك لاندثرت البشرية حين توأد الفطرة، ولا يبقى إلا الشذوذ، فكيف تستمر الحياة على كوكب الأرض، والمغرقون في الشذوذ هم من يتحكمون في مقاليد الأمور، ذلك أن انهيار هذه القرى أخلاقيا واجتماعيا يستلزم ويستتبعه انهيار في كل شيء، وإرادة الله تعالى أن يؤجل قيام الساعة إلى موعد هو يعلمه، حيث لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، وكما أن الموت هو قيام ساعة المرء، فإن هلاك القرى قيام ساعتها، قال تعالى (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) (59) ، وذلك حالما يفوق طغيانها الحد الذي حده الله تعالى للحلم على عباده، فحلمه لا يستوعب
(1) رواه مسلم ج 3 ص 1480 رقم 1854
(2) انظر شرح النووي على صحيح مسلم الحديث رقم 1854