فهرس الكتاب
وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سوف يخسف الله تعالى بجيش يغزو الكعبة، (يخسف بأولهم وآخرهم) ، قالت عائشة قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال - صلى الله عليه وسلم - (يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم) [1] ، أي أنه طالما كانت الغلبة للفجار والفاسدين ولم يكن من أمر الصالحين إلا إنكار المنكر بالقلب دون اللسان فضلا عن اليد باعتبار أن ذلك هو أضعف الإيمان، فإن البلاء سوف يعمهم كذلك، ففي رواية الترمذي قالت صفية رضي الله عنها يا رسول الله فمن كره منهم؟ قال يبعثهم الله على ما في أنفسهم) [2] ، أي لم يكن بيدهم إلا الكره فحسب أو اكتفوا به وقد كان بإمكانهم إنكار المنكر باليد أو اللسان، وقد حاول نبي الله لوط مرارا وتكرارا رغم تهديدهم له بالقتل أن يصدهم عن المنكر بالفعل تارة وبالقول تارة أخرى، ولذلك نجاه الله من العذاب، قال سبحانه (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ، فهنا وهنا وحسب ينفع إسلام المرء طالما كان إسلامه دليل إيمانه وكان إيمانه دليل إنكاره المنكر باليد واللسان والقلب بحسب قدرته على ذلك، وبذلك علمنا مغزى تقديم (المؤمنين) على (المسلمين) في هذه الآيات، إذ القاعدة التي وضعها القرآن أن العذاب لا يعم المؤمنين الذي ينكرون المنكر، وقد يعم المسلمين رغم أنهم صالحين حال تقاعسهم عن إنكار المنكر أو اكتفائهم بدرجة من درجات إنكاره وكان في الإمكان إنكاره بدرجة أكبر، وعند إنزال هذه القاعدة على قوم لوط لم يستثن الله تعالى غير بيت من المسلمين، وعندئذ يمكن القول بأن الإسلام ينفع المرء وينجيه من العذاب طالما لم ينفصل عن الإيمان في شيء، أما من اكتفى من الإسلام شعائره وعباداته الظاهرة، دون أن يحرك الإسلام ما في قلبه إزاء المنكر الذي يراه، فإنه وإن لم يخرج عن دائرة الإسلام إلا أنه لا يزال بينه وبين دائرة الإيمان فارق يستحق عليه أن يعمه الله بالعذاب في الدنيا قبل الآخرة.
لكن تجدر الملاحظة من جهة أخرى فيما فعله نبي الله لوط، إذ نجد أنه لم يخرج على قومه بالسيف رغم ارتكابهم أبشع الجرائم الأخلاقية والإرهاب الوطني، إذ أضافوا لجريمتهم تلك جريمة أخرى وهي قطع السبيل، يقول سبحانه (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(29/ 28 العنكبوت) ، هو لم يملك القوة التي يستطيع بها تغيير المنكر، قال تعالى (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) {هود/80} ، أي أنه لو كان بيده قوة لأزال المنكر بها، كما أنه حاول إزالة المنكر باللسان والوعظ والإرشاد حتى أزهقهم، قال سبحانه (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ
(1) رواه البخاري ج 2 ص 746 رقم 2012
(2) رواه الترمذي ج 4 ص 478 رقم 2184 وصححه الألباني