فهرس الكتاب
وفي قوله سبحانه (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) ، كونها حجارة مسومة، أي معلمة بعذاب مخصوص فلا تصيب إلا المسرفين، فهي موسومة بأسمائهم، فالعذاب وإن كان ظاهره عام إلا أنه مخصوص بهؤلاء المسرفين، ولذلك لم تكن مجادلة نبي الله إبراهيم الملائكة تغير من قدر الله تعالى شيء، (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) {العنكبوت/32} ، وبذلك ضمن نبي الله إبراهيم ألا يمس هذا العذاب كل أصحاب القرية.
وهو عذاب مخصوص بالقوم المسرفين، أسرفوا في المعصية حتى تعدو مرحلة الشره إلى الشذوذ، حيث يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب الزناة فقال (فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالَا انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمْ الزُّنَاةُ) [1] ، فما بال عذاب هؤلاء يوم القيامة؟.
وفي قوله سبحانه (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) استثناء للمؤمنين من عذاب الله تعالى، وهي سنة كونية أن لا يمس عذابه المصلحين، قال سبحانه (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود/ 116 - 117) ، ولذلك جاء الخطاب القرآني (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، فلم يستثن المسلمين لتتسع الدائرة للصالح المصلح والصالح غير المصلح وإنما جاء الاستثناء لطائفة المؤمنين، فلا يستقيم إيمان دون أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فعن زينب بنت جحش رضي الله عنها قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال (نعم إذا كثر الخبث) [2] ، أي لا ينجي صلاح المرء ما لم يقدر على تقليل الخبث بإيمانه وإنكاره المنكر وفعل المعروف، فإذا كثر الخبث هلك الصالحون، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [3] ، فليس بعد إنكار المنكر بالقلب شيء من الإيمان، ولكن هل يكتفي بإنكار المنكر بالقلب وفي الإمكان إنكاره باليد أو اللسان؟
(1) رواه البخاري ج 5 ص 183 رقم 1297
(2) رواه البخاري ج 3 ص 1221 رقم 3168
(3) رواه مسلم ج 1 ص 69 رقم 49