الصفحة 35 من 49

الذي يستلذ بشهوة محرمة، وكلما فرغ منها استجدى شهوة أخرى ولذة جديدة، ومهما اطرد سعار شهوته المحرمة فإنه بعد حين يألفها، وحين تؤلف يهبط ما لها من فوران و تقل حدتها، بل قد يسأم منها، ولذلك يفكر أصحاب الشهوات في أساليب غير مألوفة وغير طبيعية للمعصية ليستشعروا ما وراء المألوف من أمور غير مألوفة، وهذه هي الانتكاسة الحقيقية للفطرة التي فطر الله الناس عليها، إذ يأتون الرجال شهوة دون النساء، وهنا تضطر نساؤهم كذلك لفعل ما يفعله الرجال، حيث تأتي المرأة المرأة، كما يأتي الرجل الرجل، فليس أبشع من أن يؤكل الخراء ويرمى اللحم والثريد، وذلك هو الإجرام الذي استحق عليه قوم لوط الإهلاك والفناء، فحينما تنتكس أخلاق مجموعة من البشر إلى هذه الدرجة، وتزلق إلى الهاوية فلا يمكن إصلاحها، وإنما يجب استئصال النجاسة تطهيرا للبلاد ليتسنى للجيل القادم البدء في حياة نظيفة طاهرة.

وفي قوله سبحانه (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ) ، تحديد لنوع الحجارة التي أنزلت عليهم بأنها من طين عقوبة لجرائم شذوذهم الجنسي، فكانت عقوبتهم الرجم مثلما هي عقوبة الزاني المحصن في الإسلام، فكأن الطين الذي هو كان في الأصل مصدرا لخلق بني آدم (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) {السجدة/7} ، أضحى هو كذلك سببا في إهلاك هذه الطائفة من بني آدم، فقد عذبوا بالمادة التي هي أصل نشأتهم، قال تعالى (حِجَارَةً مِنْ طِينٍ) ، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ) {المؤمنون/12} ، (إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ) {الصافات/11} ، فكلما استعرت شهوة الإنسان دل ذلك علي شدة تثاقله للأرض رضا منه بالحياة الدنيا وتفضيلها علي الأخرة، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) {التوبة/38} .

وهذه الحجارة نزلت عليهم من السماء لقوله تعالى (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (العنكبوت/34) ، وظلت السماء تمطر عليهم تلك الحجارة، حيث هوت الملائكة بتلك القرية قلبا على رؤوسهم كما في قوله تعالى (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) {هود/82 - 83} ، وقد أجاب ابن عاشور على كون حجارة من طين نزلت من السماء وأمطروا بها فقال (ومعنى كون الحجارة من طين: أن أصلها طين تحجر بصهر النار، وهي حجارة بركانية من كبريت قذفتها الأرض من الجهة التي صارت بحيرة تدعى اليوم بحيرة لوط وأصعدها ناموس إلهي بضغط جعله الله يرفع الخارج من البركان إلى الجو فنزلت على قرى قوم لوط فأهلكتهم، وذلك بأمر التكوين بواسطة القوى الملكية) [1]

(1) التحرير والتنوير ج 27 رقم 28

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت