فهرس الكتاب
لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) (الذاريات 59 - 60) .
يقول ابن تيمية (فى الجمل التامة يعبر عن القصة بجمل تدل على معان فيها ثم يعبر عنها بجمل أخرى تدل على معان أخر وان كانت القصة المذكورة ذاتها واحدة فصفاتها متعددة ففى كل جملة من الجمل معنى ليس في الجمل الأخر، وليس في القرآن تكرار أصلا) [1] ، وقد أكد هذا المعنى سيد قطب بقوله:"قد يحسب أناس أن هناك تكرارًا في القصص القرآني لأن القصة الواحدة قد يتكرر عرضها في سور شتى، ولكن النظرة الفاحصة تؤكد إنه ما من قصة أو حلقة قد تكررت في صورة واحدة من ناحية القدر الذي يساق وطريقة الأداء في السياق، وأنه حينما تكررت حلقة كان هنالك جديد تؤديه ينفي حقيقة التكرار" [2] .
وفي قوله تعالى (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) إظهار لوظيفة أخرى للملائكة، بخلاف أنها تبشر بالخير، فإنها هي ذاتها يرسلها الله تعالى للقوم المجرمين بالعذاب، وهكذا يعلمنا القرآن أنه لا غرو في أن يجمع العبد الرباني بين صفة الرحمة والعذاب في آن واحد، فلا تمنعه رحمته وسعة صدره وتسامحه أن ينزل العقاب بالظالمين، يقول سبحانه (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة/98) ، وكذلك حكي القرآن عن ذي القرنين (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) {الكهف/86 - 88} .
وفي ذلك كذلك وسم لقوم لوط بأنهم قوم مجرمون، ولأجل جرمهم الذي صار إسرافا وجب استئصالهم في الدنيا تطهيرا للأرض من رجس ما جاءوا به، إذ كانت جريمتهم آية على انتكاس فطرتهم، فمن الطبيعي أن يألف الرجل المرأة وتألف المرأة الرجل في علاقة شرعية، أما إذا تردت أخلاق الناس وهوت لإتيان تلك العلاقة الفطرية بين الرجل والمرأة لكن بغير عقد شرعي فقد تهدد المجتمع وأوشك على الانهيار ولما أضحت للأسرة معنى ولا للالتزامات الزوجية مغزى، بيد أن طريق إصلاح المجتمع في ذلك الفرض ممكن، وذلك بإبطال هذه العلاقة واستبدال الزواج بها، فضلا عن تطبيق التشريعات الزاجرة بشأن حد الزنا بالنسبة للمحصن ولغير المحصن، لكن الأمر لم يكن مثل ذلك بالنسبة لجريمة قوم لوط إذ أغرق المجتمع في الشهوات والملذات بلا ضابط، فلم تكن لشهوتهم حد ولا لملذاتهم منتهى، واستعلنوا بها بل وحاربوا من أراد تطهرا، فكان مثلهم مثل
(1) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج 19 ص 168
(2) في ظلال القرآن؛ للشيخ سيد قطب، ج 1، ص 64.