فهرس الكتاب
وفي قوله تعالى (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) دليل على اهتمام المسلم بالشأن العام، ذلك أن توجيه السؤال عن وجهتهم جاء خلافا للأصل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) [1] ، ذلك أنه علم أنها لم ترسل للبشرى وحسب، إذ كان يمكن أن تأتيه تلك البشرى بالوحي [2] ، وإنما لابد من خطب ما، وعلى ذلك تكون جملة"فَمَا خَطْبُكُمْ"جواب شرط مُقَدَّر في محل جزم، والشرط وجوابه مقول القول؛ أي: إن جئتم لغير ذلك فما خطبكم؟ و"ما"اسم استفهام مبتدأ، و"خطبكم"خبره، وجملة"أَيُّها المُرْسَلُونَ"مستأنفة في حيز القول،"والمرسلون"عطف بيان [3] .
وهكذا يهتم المسلم بالشأن العام، وشئون الضعفاء والمحتاجين والمرأة حال حاجتها للعمل، كما اهتم نبي الله موسى عليه السلام بشأن امرأتين تقفان لسقي الغنم بين الرجال فأهاله أمرهما فقال (مَا خَطْبُكُمَا) قَالَتَا (لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) {القصص/23 - 24} ، وهذا كله من باب النصيحة، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) [4] .
لكن الملاحظ أن نبي الله إبراهيم لم يكتف بمجرد النصيحة، وظل يجادل الملائكة في قوم لوط فنهاه الله عن ذلك فقال سبحانه (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) {هود/74 - 76} ، بيد أن هذه الملاحظة لم ترد في ثنايا عرض هذه القصة في سورة الذاريات، اكتفاءا بذكر أنه سأل الملائكة"ما خطبكما"، وفي ذلك دلالة على أن السورة تستقطع من القصة ما يناسب محورها والذي يدور حول التصديق بالرزق والتكذيب بالوعد، وإن قيل أنه جادلهم ليس لأجل قوم لوط، وإنما خص بهذه المجادلة نبي الله لوط (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) {العنكبوت/32} ، فلم يكن مناسبا لجو السورة ذكر مجادلته له في شأن قوم لوط، لأن الأمر ليس أمر إظهار إشفاق النبي على قومه أو حلمه عليهم رجاء هدايتهم، وإنما هو أمر تقرير سنة الله الكونية في المجرمين، (فَإِنَّ
(1) رواه ابن ماجة ج 11 ص 472 رقم 3966 وصححه الألباني، انظر: صحيح ابن ماجة ج 2 ص 360 رقم 3211
(2) انظر فتح القدير للشوكاني ج 7 ص 46
(3) مشكل إعراب القرآن للخراط ج 1 ص 265
(4) رواه البخاري ج 1 ص 97