الصفحة 32 من 49

المعجزة معها، (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) {هود/72 - 73} ، وقد وصف القرآن إقبالها بأنها أتت محدثة جلبة أو ضجة كما أنها من شدة اندهاشها صكت وجهها، أي لطمته فضربته بيدها، تعبيرا عن خجلها أن تلد بعدما بلغت من العمر عتيا، وكأنها تصغر في السن مرة أخرى، ذلك أن الناس لا يتعجبون من أمر مستبعد وفي ظنهم استحالة حصوله، بينما هي تتعجب من أمر وإن كان مستحيل الوقوع إلا أنها تتوقع حصوله لأن الله تعالى وعد به، (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) {الذاريات/22} فكان في توصيف حالها ذاك تدليل علي يقينها بوعد الله، وإلا لأظهرت عدم اكتراثها بتلك البشرى لو لم تكن موقنة بها.

وفي قوله تعالى (قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) تهوين لشأن الأمر، فهو يسير على الله، دلالة على أن الرزق يأتي بأمر الله لا بفاعلية الأسباب، تلك هي إجابة الملائكة لها (كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ) فالأمر لا يعدو أن يقول كن فيكون، يقول سبحانه (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) {النحل/40} ، وتزييل الآية بقوله سبحانه (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) تعليل لما قبلها [1] .

المشهد الثالث: الإعذار باستئصال القوم الذي لا يوقرون معنى أن الأسرة مقوم فطري للمجتمع:

قال تعالى (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (31 - 37)

فإزاء حرص نبي الله تعالى إبراهيم على إنشاء أسرة مسلمة - بعدما نفاه قومه من موطنه - ورغبته في أن تمتد ذريته من بعده للمحافظة على شعائر الإسلام وعباداته، نجد صورة أمة من الأمم كفرت بكل معنى لكلمة أسرة، وشذت فطرتها، فلم تغرق إلا في شهواتها بالمخالفة للقانون الطبيعي للفطر السليمة، فتأتي بجريمة لم يسبقها أحد من الناس، يقول سبحانه (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) {الأعراف/80 - 81} ، قال ابن عاشور (كان في الابتداء بذكر قوم لوط في هذه الآية على خلاف الترتيب الذي جرى عليه اصطلاح القرآن في ترتيب قصص الأمم المكذبة بابتدائها بقوم نوح ثم عاد ثم ثمود ثم قوم لوط أن المناسبة للانتقال من وعيد المشركين إلى العبرة بالأمم الماضية أن المشركين وصفوا آنفا بأنهم في غمرة ساهون فكانوا في تلك الغمرة أشبه بقوم لوط إذ قال الله فيهم {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر:72] .

(1) الشوكاني: فتح القدير ج 7 ص 46

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت