الصفحة 31 من 49

أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون) [1] ، وقال صلى الله عليه وسلم (المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس) [2] .

المشهد الثاني: التبشير برزق السماء بلا أدنى فاعلية للأسباب الأرضية (غلام عليم من امرأة عاقر)

قال تعالى: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ(28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (30)

ففي قوله تعالى (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) انشراح للنفس، وسرور يثلج الصدر، ذلك أن من أفضل ما يرزقه العبد في الدنيا الولد الصالح الذي يبلغ فينفع الناس بعلمه، يعلمهم ما تعلمه من علم الاعتقاد في الله والعبادات ومن الأخلاق والآداب الحميدة فضلا عما ينفعهم في دنياهم، فكانت هذه البشرى أعظم ما بُشر به نبي الله إبراهيم عليه السلام، لاسيما وقد طُرد من أهله ونُبذ عنهم بسبب عقيدته، وقد نال منهم أقصى درجات النفور، ومحاولة إحراقه حيا، لكن الله نجاه منهم فخرج للصحراء مع زوجته هاجر - حيث لا زرع ولا ماء - يتلمس أسباب الرزق والنجاة من المهلكة، فيرزق الله زوجته وابنه - بئر زمزم - ويستجيب لدعوته (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) {إبراهيم/37} ، كل ذلك وهو يخاف على دعوته أن يُعدم من يحمل لواءها من بعده، فيتمنى على الله تعالى أن يرزقه غلام يرث الإسلام ويورثه لغيره، وقد انقطعت عنه الأسباب الأرضية، وامرأته عاقرا لا تلد، فلم يبق له غير الدعاء، ذلك السبب الموصول بالسماء، فيفعِّل الله له الأسباب التي انقطعت، فتأتيه البشرى وقلبه معلق بالله متوكلا عليه، فكانت البشرى عزيزة عليه بعدما لاقى من شتى ألوان الاضطهاد والإقصاء والإبعاد الكثير، ومن قومه.

وفي قوله تعالى (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [3] فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) وصف لحال زوجته هاجر وهي عجوز عقيم وقد سمعت البشرى فأصابها الذهول والاندهاش، لا استغرابا للبشرى بالرزق بعدما أصابها اليأس، أو تشكيكا فيها - رغم استحالته عملا وتجربة - وإنما تصديقا لوعد الله، وتعجبا بحصول

(1) صحيح الترغيب والترهيب للألباني ج 3 ص 8 رقم 2658

(2) السلسلة الصحيحة ج 1 ص 787 رقم 426

(3) جاء في لسان العرب ج 4 ص 450، الصِّرُّ بالكسر والصِّرَّةُ شدَّة البَرْدِ .. وقيل شديدة الصَّوْت الزجاج في قوله تعالى بِريحٍ صَرْصَرٍ

وجاء في الوسيط ص 3975 الصرة: من الصرير وهو الصوت، ومنه صرير الباب، أى: صوته، والصك الضرب الشديد على الوجه، وعادة ما تفعله النساء إذا تعجبن من شئ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت