فهرس الكتاب
فبادروه بالبشرى تطمينا ثم أخبروه عن وجهتهم، قال سبحانه (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) (هود/74)
والخامس: في قوله (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) : أدب من آداب حسن الضيافة، ذلك أنه قرب إليهم الطعام دون أن يلح عليهم في تناوله، ليأكل الضيف دون حرج، وذلك أن إلحاح المضيِّف على ضيفه يحمله على التكلف بالتمنع، بينما تقريب الطعام يعني الإذن له، لكن حينما يرى منهم حرجا أو تمنعا فإنه يحضهم على القبول بقوله (أَلَا تَأْكُلُونَ) ، وهذا هو اللطف الذي يجب أن يتحلى به الكريم.
والسادس: في قوله (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) إشارة إلى أنه ليس من المعتاد أن ينكر الضيف دعوة مضيفه، إذ لما رآهم لم يأكلوا ولم يألف أن يمتنع ضيوفه عن الأكل مما يقدمه لهم نكرهم وخاف منهم أن يكونوا أعداءً له أو قطاع للطريق، فعدم إجابة الداعي ليس من شيم أهل الخير، ومن شيم قطاع الطرق غالبا، يقول الإمام البقاعي"لأجل إنكاره عدم أكلهم فإنه لما رأى إعراضهم عن الطعام ذهب وهمه في سبب إتيانهم إليه كل مذهب" [1] .
وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم تلبية الدعوة على الطعام لما فيها من تقريب بين الداعي والمدعو، وتأليف للقلوب بينهما، دون أن يتعاظم أحدهما على الآخر أو يتفاخر، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ائتوا الدعوة إذا دعيتم) [2] ، وذلك على إطلاقه دونما نظر إلى مستوى الداعي، وذلك من باب عدم الكبر والتحلي بالإيخاء، فلا ينبغي أن يُنظر إلى ما على الموائد وإنما يكفي أن الدعوة جاءت من الأخ لأخيه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوا) [3] ، فلا الداعي يستنكف أن يدعو إليها ولا المدعو يأبى أن يقبل الدعوة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) [4] ، قال العلماء: فرسن الشاة هو ما دون الرسغ من يدها وقيل هو عظم قليل اللحم والمقصود المبالغة في الحث على الإهداء ولو في الشيء اليسير وخص النساء بالخطاب لأنهن يغلب عليهن استصغار الشيء اليسير والتباهي بالكثرة وأشباه ذلك.
والسابع: في قوله (قَالُوا لَا تَخَفْ) أنه حين طمأنوه اطمأن ولم يخونِّهم، وهذا هو طبع المؤمن إلف يؤلف، لين في يد إخوانه، يسير معه بلا تعسف ولا فظاظة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن أحبكم إلي أحاسنكم
(1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج 8 ص 203
(2) رواه مسلم ج 2 ص 1052 رقم 1429
(3) رواه مسلم ج 2 ص 1052 رقم 1429
(4) رواه البخاري ج 2 ص 907 رقم 2427