الصفحة 29 من 49

ولا يشترط لإكرام الضيف أن يكون صاحب الضيافة غني، فالفقير له أن يكرم بقدر ما معه من مال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث إلى نسائه فقلن ما معنا إلا الماء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من يضم أو يضيف هذا) ، فقال رجل من الأنصار أنا فانطلق به إلى امرأته فقال أكرمي ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت ما عندنا إلا قوت صبياني فقال هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين فلما أصبح غدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال (ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما) ، فأنزل الله ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يرق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) [1] ، وهذا الحديث فيه دلالة على أن إكرام الضيف واجب على الكفاية بحيث إذا قام به البعض سقط وجوبه عن سائر أفراد المجتمع، وإن لم يقم به أحدهم أثم جميع من في القرية أو البلدة.

وقد ورد التشديد في إكرام الضيف - وبخاصة حين يكون هذا الضيف عاملا عند الإمام -، فعن عقبة بن عامر قال: قلنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا فما ترى فيه؟ فقال لنا (إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف) [2] ، والحديث قد شدد على حق الضيف حتى أنه أجاز أن يأخذه قهرا إن امتنع أهل البلد عن إكرامه، وقد أجيب على ذلك بأنه (مخصوص بالعمال المبعوثين لقبض الصدقات من جهة الإمام فكان على المبعوث إليهم إنزالهم في مقابلة عملهم الذي يتولونه لأنه لا قيام لهم إلا بذلك، وقيل كان هذا في ذلك الزمان إذ لم يكن للمسلمين بيت مال، فأما اليوم فأرزاق العمال من بيت المال) [3] .

ولم تبين الآيات كم مكث ضيوف نبي الله إبراهيم عليه السلام عنده؟ ومتى سألهم عن حاجتهم التي جاءوا لأجلها؟ ومن المعروف من آداب الضيافة أن لا يسأل صاحب البيت ضيفه عن حاجته إلا بعد أن يكرمه ثلاثة أيام، وذلك لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) ، قال وما جائزته يا رسول الله؟ قال (يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه) [4] ، قال النووي: قال العلماء معناه الاهتمام به في اليوم والليلة وإتحافه بما يمكن من بر وإلطاف وأما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ما تيسر ولا يزيد على عادته وأما ما كان بعد الثلاثة فهو صدقة [5] ، والظاهر أنه عاجلهم بالسؤال لما خافهم،

(1) رواه البخاري ج 3 ص 1382 رقم 3587

(2) رواه البخاري ج 2 ص 868 رقم 2329

(3) انظر فتح الباري في شرح صحيح البخاري الحديث رقم 2329

(4) رواه البخاري ج 5 ص 2240 رقم 5673

(5) شرح النووي لصحيح مسلم حديث رقم 48

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت