فهرس الكتاب
والثاني: في قوله (فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) إشارة إلى حرصه على أن يتعرف بهم برد السلام عليهم وحثهم على ذلك لنكارتهم عنده تأليفا لقلوبهم، وفي ذلك بيان واضح لمعنى الإسلام، يقول المولى سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة/208) فهو دين لإيصال السلام والخير للناس بصرف النظر عن انتماءاتهم وأجناسهم وعصباتهم وعشائرهم وقومياتهم وأديانهم، وقد سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أي الإسلام خير؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) [1] .
والثالث: في قوله (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) ، إشارة إلى حسن التلطف مع الضيف، وذلك أنه انطلق سريعا وفي خفة دون أن يسألهم عن حاجتهم للطعام، فأمر أهله أن يعدو الطعام للضيوف دون أن يستشعروا الحرج من ذلك، وهذا من آداب الضيافة، قال ابن القيم (والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف وهذا من كرمه , بحيث لا يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي ... بخلاف من يسمع ضيفه ويقول له .. مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه) . [2]
والرابع: في قوله (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) دليل على شدة الكرم بأن جهز لهم أزكى الطعام، ذبح عجلا سمينا، حقا عليه له لقوله صلى الله عليه وسلم (إن لزورك عليك حقا) [3] ، ولا نعلم كم كان عدد الملائكة عندما تلبسوا بصورة بشر في زيارتهم لنبي الله تعالى إبراهيم عليه السلام، وكم كان حجم الرجال في ذلك الزمان، وهل كان العجل السمين يكفيهم أم أنه يزيد عن حاجاتهم بفضل كبير ... ؟ بيد أن الذي يمكن تلمسه من ذلك هو شدة كرم نبي الله إبراهيم لضيوفه من غير أن يعرفهم ولم يرهم من قبل، ولذلك قال (قوم منكرون) ، فهو يكرم ضيفه لله دون أن يهتم بمن يعرف ومن لا يعرف، وقد بوب علماء الحديث بابا بعنوان باب صنع الطعام والتكلف للضيف وأوردوا تحته حديث أبي الدرداء أنه كان يصنع طعاما لضيفه سلمان، وقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما [4] .
(1) رواه البخاري ج 1 ص 13 رقم 12
(2) التفسير القيم لابن القيم ج 2 ص 139
(3) رواه البخاري ج 2 ص 696 رقم 1873
(4) رواه البخاري ج 5 ص 2273 رقم 5788