فهرس الكتاب
المشهد الأول: قصة إكرام نبي الله إبراهيم عليه السلام لضيوف غرباء:
وذلك في قوله تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ) (24 - 28)
أشار القرآن إلى إكرام إبراهيم عليه السلام ضيوفه، وهي عادة من عادات العرب قبل الإسلام، يقول حاتم الطائي:-
فلا الجود يفنى المال قبل فنائه ولا البخل في المال الشحيح يزيد
فلا تلتمس بخلا بعيش مقتر لكل غد رزق يعود جديد
ألم ترى أن الرزق غاد ورائح وأن الذي يعطيك سوف يعود
ولا غرو في ذلك، إذ لولا أنهم يتصفون بالكرم لما كانت الجزيرة العربية مهبط الأديان السماوية، والكرم صفة لازمة في الأنبياء، يقول الحق سبحانه (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ) {الدخان/17} ، وقد بدا إكرامه لهم في عدة أمور:-
الأول: في قوله (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) "إذ"الفجائية إشارة إلى الظرف الذي طرأ عليه، بما يوحي بأن بابه كان مفتوحا للقادمين وعابري السبيل ليسهل عليهم طرقه فيدخلوا عليه دون حرج ما لم يكن قد دخل الليل لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ فَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ) [1] ، وذلك لا ينافي بالطبع الاحتراز بستر العورات.
يقول حاتم الطائي: -
سَلِي الجائعَ الغَرْشان يا أُمَّ مُنذرِ ... إذا ما أتاني بَين ناري ومجْزري
هل أبسطُ له وجُهي إنه أولُ القِرَى ... وأبذل معروفي له دُونَ مُنْكَري
يقول ابن القيم: (ففي هذا دليل على انه كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم فبقي منزله مضيفة مطروقا لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان بل استئذان الداخل دخوله وهذا غاية ما يكون من الكرم) [2] .
(1) رواه البخاري ج 17 ص 345 رقم 5192
(2) التفسير القيم لابن القيم ج 2 ص 139