الصفحة 5 من 49

وقد وصمتهم السورة في مواضع عدة بأنهم- خراصون - كذابون - يبنون قولهم على الظن، الآية (10) ، لا اعتمادا على التحقيق والبحث الصادق وتمحيصا للوقائع بجدية، وإنما انغمارا منهم في شهواتهم وملذاتهم، الآية (11) ، وتارة تصفهم بأنهم قوم مجرمين فاستحقوا الإهلاك لاعتيادهم مخالفة الفطرة السليمة، الآية (32) ، وإسرافهم في المعصية دون إنابة إلى الله تعالى، الآية (34) ، وتارة أخرى تصفهم بأنهم عاتون عن أمر ربهم، الآية (44) ، وأخرى بأنهم قوم فَاسِقونَ، الآية (46) ، وتستدرك لتصفهم بأنهم قوم طاغون، الآية (53) ، وأنهم ظالمون وكافرون، الآية (56) ، كما صورت مشاهد إهلاكهم، مستشهدة بمصارع قوم لوط وفرعون وعاد وثمود وقوم نوح.

وكعادة القرآن الكريم لابد وأن يذكر الشيء ونقيضه، فكما ذكر الخراصون، لابد وأن يذكر المتقين ومآلهم إلى الجنة جزاء إحسانهم، واصفا ما يميز حالهم عن غيرهم من الاقتصاد في النوم لأجل الوقوف قياما لله في الصلاة بالليل، ومستقطعين من النوم وقت السحر - وهو قبيل الفجر - لأجل الاستغفار، ومقتصدين فيما يحوزونه من مال لأجل السائل والمحروم، وهكذا يدخرون من أرزاقهم لأجل النشاط في العبادة وإطعام المساكين.

وتلتفت الآيات إلى بديع صنع الله تعالى في الأرض، بل وفي خلق الإنسان نفسه، لتجعل من ذلك مقدمة للتأكيد على أن الذين يوقنون بآيات الله تعالى في الكون هم كذلك الذين يوقنون بأن الله تعالى وعد بالرزق وضمنه عباده، وقد أعاد التأكيد على هذا المعنى بالقسم (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (23)

وليس أعجب من أن الله تعالى رزق نبيه إبراهيم عليه السلام إسماعيل رغم أن امرأته كانت عاقرًا بل كاد يطير عقلها لما سمعت البشرى من الملائكة المرسلة بالبشرى لهم، تعليما لنا بأن الله خالق الأسباب قادر على أن يرزق بغير أسباب، وإنما جعل للأسباب فاعليتها بأمر الله، ولو شاء الله لأعدم الأسباب فاعليتها، ولو شاء - كذلك - لحقق المراد دون أسباب.

وفي ذات الوقت أُرسلت الملائكة -كذلك - لإنزال العذاب بالمجرمين، وهو ما يجعلنا نرى وظيفتين للملائكة متضادتين، لكنهما تتشابهان مع حركة الرياح أو الريح، فقد أشرنا إلى أن الرياح تأتي بالرحمة، أما الريح فإنها تأتي بالعذاب لا بالرزق، لأنها تأتي من اتجاه واحد فتكون سببا في إهلاك القوم المسرفين كما أهلكت السابقين، قال سبحانه (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) ، وقد علمنا في أكثر من موضع أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت