الملائكة أمرها الله تعالى بتقسيم الأرزاق وعلى العباد، وكذلك يأمرها بإهلاك القوم المجرمين، وهكذا تضرب لنا السورة معنيين متضادين لذات الشيء ألا وهو الرياح أو الريح، لتذر الأمور إلى أحد مآلين، فإما أن تكون بشرى خير كما بشر الله نبيه إبراهيم بغلام عليم، يحمل لواء الدعوة من بعده ويرث عنه هذا الدين بعد أن خاصمه قومه وحرَّقوه، فمرت عليه الملائكة بالبشرى كما تمر الرياح المرسلة بالرحمة، يقول سبحانه، (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ) ، وإما أن تكون إخبار بالعذاب كما أخبرت الملائكة نبي الله إبراهيم أن الله أرسلها لتدمير قرية قوم لوط، قال تعالى (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) .
كما عرجت السورة سريعا على مشاهد إهلاك قوم فرعون وعاد وثمود ومن قبلهم قوم نوح، لتدلل على أن سنة الله ماضية ومضت وستمضي في إهلاك القوم المسرفين، ثم يسدل الستار على مشهد الفناء والدمار، ليفتتح على مشهد البناء والإعمار، فلفت الآيات إلى ما يستتبع ذلك من ضرورة إعادة الحياة إلى أفضل مما كانت عليه بالنظر إلى مقومات الكون الأساسية، ليبدأ الأمل بالنظر في خلق السماء وتوسيعها والأرض وتمهيدها، وخلقه سبحانه للأزواج كلها، وهو ما يذكرنا بأن الله تعالى هو خالق الأسباب، وأن هذه الأسباب لا تعمل وحدها، وإنما تحتاج إلى ما يحقق فاعليتها، فلا أرض بلا سماء، ولا سماء بلا أرض، ولا زوج بلا زوجة ولا زوجة بلا زوج، (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) ، فندرك أن كل شيء منجذب لضده لا يصلح أن يكون قويا ولا متينا، ليأتي الأمر منه سبحانه بالفرار إليه وحده (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (50) ، ليكون الاعتماد والتكلان عليه وحده، وهو الأمر الأول في هذه السورة وتلاه نهي في قوله تعالى (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (51) ، لتكتمل بذلك مقومات التربية الروحية كما تحقق مقومات الحياة المادية، ذلك أن الشرك بالله تعالى ينافي ما تفرد الله به من أنه سبحانه لا صاحبة له ولا ولد، فالتزاوج من خصائص المخلوقات، وهو ممتنع عن الله، فكيف يكون الفرار إليه ثم إلى غيره، حتى وإن كان لأجل التمسك بالأسباب التي خلقها، فالعبادة الحق هي التوحيد لله، ودون ذلك فمنهي عنه.
ثم يأتي الخطاب في مقام دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مخبرا بأن دأب هؤلاء جميعا من المكذبين والمجرمين الإفتراء على رسلهم وإلصاق التهم بهم تخلصا من دعوتهم، وطغيانا منهم على أهل الحق، وهذا شأن الأولين منهم والآخرين يوصي بعضهم بعضا بذلك، فيكون الأمر الثاني في هذه السورة - وهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم - في طريقة التعامل معهم، (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ) (54) ، أي لا نتشغل بالرد على إفتراءاتهم وتهاماتهم تلك، ليتبعه أمر ثالث وهو في قوله تعالى (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (55) أي انشغل بتذكير المؤمنين بالله تعالى، فهذا هو ما ينفعهم وينفع الدعوة الإسلامية.