الصفحة 7 من 49

ثم يأتي الاستدراك القرآني مبينا الغاية من خلق الجن والإنس في الكون، ولا شك أنها"العبادة"، حيث أن استعمال أسلوب الحصر والقصر قطع بأن لا غاية لخلقهما إلا ذاك، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56) لينتبها إلى أن سعيهما في الدنيا للرزق وإن كان جبليا - أي بمقتضى الفطرة - لكنه ليس هو غاية وجودهما، وإنما سعيهما لذلك يجب أن يكون في إطار مفهوم العبادة لله تعالى بمفهومها الواسع، وذلك بتحقيق اسم الله تعالى (الرزاق) ، أي التماس أسباب الرزق مع تعلق القلب بالله تعالى، لا اعتمادا على الأسباب والاعتقاد بأنها هي التي تجلب الرزق، وإنما اعتقادا بأن السعي للرزق بقصد تحقيق مقاصد الشرع، أما تعلق القلب بالرزاق فهو حق الفرار إلى القوي المتين.

وتأتي الخاتمة لتعقب على أعمال الذين ظلموا، وكلهم على شاكلة واحدة، مستعجلين للعذاب - ساخرين - لتهددهم بالويل وأنهم يستحقون عذاب الله تعالى، وهذا هو الوعد الثاني في هذه السورة لمن لم يؤمن بوعده الأول (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) (60) ، فمن لم يؤمن بأن الله تعالى ضمن له الرزق بأسبابه الشرعية، وسعي لطلب ما ليس له بحق - انتهاكا لحدود الله - أو تفريطا في حقوق الله - أو تعديا على حقوق العباد - أو سعيا في طلب الرزق بغير أسبابه الشرعية، فكل أولئك موصوم بالظلم، وهو كذلك ضرب من ضروب الكفر، وذلك حين يقترن بالاستهزاء بعذاب الله تعالى الذي وعد به الخراصون.

قال تعالى (وَالذَّارِيَاتِ [1] ذَرْوًا، فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا [2] ، فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا، إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ، وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ(1/ 6)

استهلت السورة بقسم بالذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات، هن أمور الأربعة الرياح والسحب والسفن والملائكة، قال البغوي (الرياح التي تذرو التراب، السحاب تحمل ثقلا من الماء، السفن تجري في الماء جريًا سهلا، الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أُمروا به) [3] ، قال أبو السعود ( {فالمقسمات أَمْرًا} أي الملائكةِ الَّتيِ تقسّمُ الأمورَ منَ الأمطارِ والأرزاقِ وغيرِها أو السحبِ التَّي يقسمُ الله تعالَى بَها أرزاقَ العبادِ وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يرادَ بالكُلِّ الرياحُ تنزيلًا لاختلافِ العنوانِ منزلةِ اختلافِ الذاتِ فإنَّها كما تذرُو ما تذرُوه تثيرُ

(1) وأصل اللفظ من (ذر) ، يقال ذَرَّ الشيءَ يَذُرُّه أَخذه بأَطراف أَصابعه ثم نثره على الشيء وذَرَّ الشيءَ يَذُرُّهُ إِذا بَدَّدَهُ

انظر: لسان العرب ج 4 ص 303

(2) جاء في لسان العرب ج 5 ص 289: الوَقْرُ ثِقَلٌ في الأُذن ... ، وامرأَة مُوقَرَة بفتح القاف إِذا حملت حملًا ثقيلًا، وأَوْقَرَتِ النخلةُ أَي كَثُرَ حَمْلُها .... وفي قوله عز وجل فالحاملاتِ وِقْرًا يعني السحاب يحمل الماء الذي أَوْقَرها

(3) تفسير البغوي ج 7 ص 371

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت