الصفحة 8 من 49

السحابَ وتحملُه وتجْري في الجوِّ جريًا سهلًا وتقسمُ الأمطارَ بتصريفِ السحابِ في الأقطارِ، فإنْ حُملت الأمورُ المقسمُ بها على ذواتٍ مختلفةٍ فالفاءُ لترتيبِ الإقسامِ باعتبارِ ما بينها من التفاوت في الدلالة على كمالِ القدرةِ وإلاَّ فهيَ لترتيبِ ما صدرَ عن الريحِ مِنَ الأفاعيلِ فإنَّها تذْرو الأبخرةَ إلى الجوِّ حتَّى تنعقدَ سحابًا فتجريَ بهِ باسطةً لهُ إلى ما أمرتْ بهِ فتقسمُ المطرَ) [1] .

وفي قوله تعالى (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) يكاد ينعقد الإجماع بين المفسرين على أن المقصود بالذاريات الرياح، ويقال ذَرَوْتُ الشيء طيرته وأذهبته والذَّارِيَاتُ الرياح و ذَرَتِ الريح التراب [2] ، وليس آكد على أن المقصود بالذاريات الرياح من في قوله تعالى (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) {الكهف/45} فهو يصور تلاعب الرياح بأوراق النبات بعد أن ذبل وهشم، وكذلك تتلاعب الرياح بحبات الرمال فتذروها يمينا وشمالا، وبحبوب اللقاح فتحركها من زهرة إلى أخرى، فيتكاثر النبات بالتلقيح - سبحان الله -.

وفي قوله تعالى (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) إشارة إلى الرياح تحرك السحب حاملة للماء كثفا، فتحركها من مكان مشبع ببخار الماء لآخر يفتقر للماء فيسقط المطر برحمة الله فيحيي به الأرض بعد موتها، قال فخر الرازي (التراب لا ترفعه الرياح حملًا بل تنقله من موضع وترميه في موضع بخلاف السحاب فإنه يحمله وينقله في الجو حملًا لا يقع منه شيء) [3] ، يقول سبحانه (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) {الأعراف/57} .

وفي قوله تعالى (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) إشارة إلى السفن، وهي تجري في البحار بين الأمواج بتيسير من الله، قال سبحانه (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) {إبراهيم/32} ، تجري بحركة انسيابية على سطح الماء تشق الأمواج وإن علت كالجبال، قال تعالى (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) (هود/42 - 41) ، وتحمل متاع الناس وأرزاقهم ليتاجروا بها من بلد لآخر، قال تعالى (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ) {البقرة/164} .

(1) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ج 6 ص 202

(2) مختار الصحاح ج 1 ص 226

(3) مفاتيح الغيب ج 28 رقم 168

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت