وفي قوله تعالى (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) دلالة على أن الملائكة تقوم بما تقوم به الرياح حين يرسلها الله سبحانه لتقسم الأرزاق على الخلائق بأمره، فعن ابن سابط، قال: يدبر أمر الدنيا أربعة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فأما جبرائيل فصاحب الجنود والريح، وأما ميكائيل فصاحب القطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس، وإما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم بما يؤمرون [1] ، وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا أن (مِيكَائِيلَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالنَّبَاتِ وَالْقَطْرِ) [2] .
وفي المقابل فإن الريح تقوم بوظيفة مغايرة لوظيفة الرزق، حيث توكل بإنزال العذاب على مستعجليه، وقد تأكد هذا المعنى في قوله تعالى (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) {الذاريات/41 - 42} وكذلك تنزل الملائكة بالعذاب على من يشاء بأمره سبحانه، كما في قوله تعالى (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ) {الذاريات/32 - 33} .
وتجدر الإشارة إلى أن هناك قسمان لرزق الله تعالى، قسَم كوني وقسَم شرعي، فالأرزاق ينزلها الله تعالى على من يشاء من عباده فيقسم لهذا المال ولذاك الولد ولهذا السلطان ولذاك العلم، وكل متفاوت في رزقه، وهذا القسم الكوني فيه تفاوت في النوع لكنه متساو في المقدار بحسب اختلاف حاجات الدواب، يقول الشيخ الشعراوي: (لذلك إن حاولنا إحصاء المواهب في البشر وتوزيعها على الخلق جميعًا لوجدنا أن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر، ولكن أنت تأخذ في موهبة ما تفوقًا، وفي الموهبة الأخرى لا تجد نفسك قادرًا عليها، وفي موهبة ثالثة قد تقدر عليها لكنك لا تحبها، واجمع الدرجات كلها في جميع المواهب ستجد أن كل إنسان يساوي الآخر، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى) [3] ، وانظر من تجبر بقوته على خلق الله، فقد قسم الله له القوة كونا، ولم يرض أن يطغي بقوته على خلقه شرعا، فيقصمه الله تعالى بعد أن يسلبه قوته عدلا وقسطا.
أما القسم الشرعي فهو ما قسمه كونا وارتضه شرعا، كمن يغنيه الله تعالى بالمال، ولكنه لا يأخذ من ماله لنفسه إلا قدر ما يكفيه وعياله، ويشغِّل الباقي في أعمال البر والخير، فهو لا ينتفع من المال إلا بما قسمه الله له من رزق في الدنيا ويدخر الباقي ليوم القيامة، فلا يفوته من رزق الله شيء، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ
(1) مصنف ابن أبي شيبة ج 13 ص 430 رقم 36116
(2) رواه أحمد في مسنده ج 5 ص 385 رقم 2353
(3) تفسير الشعراوي ج 7 ص 4031