النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ مِنْهَا قَالَتْ مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا قَالَ بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا [1] ، قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح (يعني أنها تصدقت بها كلها إلا كتفها) [2] .
ودلالة المقسم به أن ينتبه القارئ إلى حركة ذرات الرمال وقطر الماء والسفن الجاريات في الكون، ليتفكر في أسباب الرزق، موقنا بأهمية التوكل على الله، متيقنا أن رزقه بيد الله وليس موكولا للبشر، وأنه مطالب بالأخذ بأسباب الرزق التزاما منه بمنهج الإسلام الذي أوجب العمل لالتماس الرزق، مع اليقين كل اليقين أن الرزق لا يأتي بالعمل وإنما بما قسمه الله تعالى على عباده، وذلك هو اليقين بالله تعالى، وحق التوكل عليه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) [3] ، ويقول صاحب الظلال (سياق هذه السورة بتحرير القلب من أوهاقه، وإعفائه من أثقاله. فالرياح والسحب والسفن ظاهرة الصلة بالرزق ووسائله وأسبابه) [4] .
وفي قوله تعالى (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) إيضاح للمقسم عليه، فهو أمران، الأول (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ) جاءت الإشارة إليه في قوله تعالى (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) ، وقد أعاد الله التأكيد على صدق ما وعد به من ضمان الرزق، فقال سبحانه (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) ، فهو أمر غير قابل للجدال، حتى ينتهى ابن آدم عن عبادة الأسباب لينصرف عنها إلى عبادة رب الأسباب، ونظير ذلك في قوله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام/6) .
ولو شئت لقلت بحق تصريف الله تعالى للكون عن طريق الرياح فتكون سببا لتكاثر النبات وبهجة الأرض باللون الأخضر وروائح الزهور الزكية، وبحق استقرار السحب الحاملات لرزق العباد لبلد معين ونزول المطر في هذا البلد، وبحق تسيير الله تعالى للكون واضطراد الحركة التجارية العالمية عبر البلدان و القارات المتباعدة، وبحق تقسيم الله تعالى لأرزاق العباد وإرساله الملائكة بأمره لأداء هذه المهام، فإن الله تعالى قد ضمن لعباده أرزاقهم، فالرزق لا يسير بقوانين البشر وأطماع البشر يسرق هذا من مال هذا أو يعتدي هذا على حق هذا، وإنما الرزق
(1) رواه الترمذي ج 9 ص 10 رقم 2394 وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة ج 6 ص 43 رقم 2544
(2) ابن عثيمين: شرح رياض الصالحين ج 1 ص 351 - ومثله المباركفوري: في مرعاة المفاتيح ج 6 ص 356 رقم 1936 شرح مشكاة المصابيح للتبريزي ج 6 ص 706
(3) رواه ابن ماجة في سننه ج 12 ص 199 رقم 4154 - صحيح ابن ماجة ج 2 ص 404 رقم 3359
(4) في ظلال القرآن ج 7 ص 24