قد قسمه الله تعالى من فوق سبع سماوات وبقوانين السماء التي تتسم بالعدل والواقعية لا بالإجحاف ولا بالإرجاء.
وفي قوله تعالى (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) بيان للأمر الثاني - المقسم عليه - وهو إشارة إلى حق الله تعالى على العباد، في مقابلة حق العباد على الله سبحانه، فما وعد الله - من ضمان الرزق لعباده به في الدنيا والجنة في الآخرة - فهو دين عليه، وما ندين به لله فهو حق علينا، وكلاهما واقع لا محالة، فعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا) [1] ، وقال تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) ، وقال سبحانه (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، فكتب - سبحانه - على نفسه أن رزق العباد عليه وليس موكولا لأحد غيره، لا فرق في ذلك بين مسلم وغير المسلم، فالكل يدخل في مفهوم لفظ (بِرَبِّ الناس) ، وكل داخل في معنى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ) ، وهذا هو القاسم المشترك بين الخلائق، وهذا هو القدر المضمون من الابتلاء، فأوجب الله على نفسه بأن ضمن للعباد أرزاقهم، وترك باقي الأمور للابتلاء والاختبار لتتفاوت أعمالنا إزاء هذه الابتلاءات، وفي مقابلة ذلك فإننا سوف نحاسب علي هذه الأرزاق، فلا يعذبنا إذا عبدناه ولم نشرك به شيئا، وعدا منه بالجنة والاستخلاف في الارض، ووعدا للمسيئين بالنار قال سبحانه (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) ، فحين ينزل الرزق فقد وقع أمر الله، وحين ينزل العذاب بالظالمين فقد وقع، وحين تأتي الساعة فقد وقع أمر الله.
قال تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [2] * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [3] * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ(الآيات من 7 - 14)
(1) رواه البخاري ج 9 ص 459 رقم 2644
(2) جاء في معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 2 ص 58 / الحبك: واحدتها الحبيكة، وتطلق على الطريقة التي تخلِّفها الرياح الهادئة في الرمال أو المياه، والحبيكة: المحبوكة أي المتقنة، فقولهم ثوب حبيك ومحبوك أي محكم النسيج، وبكلا المعنيين فسر في قوله السماء ذات الحبك.
وجاء في لسان العرب ج 10 ص 407: الحبك: الشد - روي عن عائشة أَنها كانت تَحْتَبِك تحت دِرعها في الصلاة أَي تشد الإِزار وتحكمه
وفي القاموس المحيط ج 1 ص 1208: الحَبْكُ: الشَّدُّ والا حْكامُ وتَحْسينُ أثَرِ الصَّنْعَةِ في الثَّوْبِ
وفي تفسير ابن كثير: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ....
(3) وأَصل الخَرْصِ التَّظَني فيما لا تَسْتَيْقِنُه .. لأَن الحَزْرَ إِنما هو تقديرٌ بِظَنٍّ لا إِحاطة .... ثم قيل للكَذِب خَرْصٌ لما يدخله من الظُّنون الكاذبة: انظر لسان العرب ج 7 ص 21