في قوله تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) إعادة للقسم من جديد، أقسم بقدرته الإبداعية المتجلية في خلق السماء التي حبكها حبكا وأبدع في صنعها على غير مثال سبق، بلا قدرة تقترن ولا اختراع يبتكر، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) {البقرة/117} ، وهو قسم يشير إلى أن المقسم عليه لابد وأن يكون ذا علاقة بالإتقان والإحكام، والمقسم عليه هو اختلاف أقوال المشركين في النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فمنهم يتهمه بالجنون وآخر بالسحر وثالث بأنه شاعر ورابع بأنه كاهن ... إلى غير ذلك من الأوصاف، ليصرفوا الناس عنه إفكا منهم وتقولا عليه بغير حق، إذ لو كان اتهامهم له حق لما عددوا له الأوصاف وما اتهموه بعدة اتهامات تكاد تتناقض بعضها البعض، فكان ينبغي عليهم أن يحبكوا إفكهم لا أن يختلفوا فيما بينهم على هذا النحو.
وفي قوله سبحانه (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) ، أي لو كنتم صادقين في اتهامكم له بالكذب على الله تعالى لاتفقتم اتفاقا محكما فيما بينكم على الافتراء عليه بوصف واحد دون آخر حتى يظهر من اتفاقكم على تشويه صورته صدقككم، لا أن يكون شأنكم شأن الأفاكين الذين قاتلهم الله أنى كانوا.
وفي قوله تعالى (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) أي يُصْرَفُ عن الحَقِّ من صُرِف في سابِقِ عِلْمِ اللّه تعالَى [1] ، وفي ذلك إشارة إلى فطنة أهل الحق لتمييز أهل الباطل وافتراءاتهم، الذين انصرفوا عن الإيمان بالله تعالى حيث صرفهم الله عنه [2] ، يقول سبحانه (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) {الجاثية/23} ، فعندما تتعدد الاتهامات وتتناقض الأوصاف يتأكد الموقف بأننا إزاء افتراءات على أهل الحق، ولو كان صادقا لما تعددت الاتهامات على نحو يظهر منه اختلافهم وعدم اتفاقهم على وصف معين للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أعماهم الله بكيدهم هذا وطغيانهم ذاك، ونظير ذلك في قوله تعالى (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) {الروم/29} ،.
(1) تاج العروس للذبيدي ج 1 ص 6639
(2) التفسير الوسيط: لشيخ الأزهر سيد طنطاوي: ج 1 ص 3969