الصفحة 13 من 49

في قوله تعالى (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) : الخرص هو الحرز أي التخمين، وقد استعمل لحرز ما على النخل من الرطب تمرا [1] ، والفرق بين الخرص والكذب: أن الخرص هو الحزر وليس من الكذب في شئ والخرص ما يحزر من الشئ يقال كم خرص نخلك أي كم يجئ من ثمرته وإنما أستعمل الخرص في موضع الكذب لأن الخرص يجري على غير تحقيق فشبه بالكذب وأستعمل في موضعه [2] ، قال ابن عاشور (وليس السياق لوصف أكثر من في الأرض بأنهم كاذبون، بل لوصمهم بأنهم يأخذون الاعتقاد من الدلائل الوهمية، فالخرص ما كان غير علم، قال تعالى {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف 20] ، ولو أريد وصفهم بالكذب لكان لفظ يكذبون أصرح من لفظ {يَخْرُصُونَ} ، واعلم أن السياق اقتضى ذم الاستدلال بالخرص، لأنه حزر وتخمين لا ينضبط) [3] .

ويتضح من السياق أن هؤلاء الخراصين بالرغم من إقرار بعضهم بأن الرزاق هو الله، لم ينكروا عليه ربوبيته، قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (61/العنكبوت) إلا أنهم يعترضون على قسمه للرزق، لاختيار النبي محمد صلي الله عليه وسلم نبيا من بينهم، ومن ثم اعترضوا - بالتبعية - على ألوهيته وتوحيده بالعبادة، فاستمروا في حملة التشويه لأهل الحق حسدا منهم للنبي وأصحابه حتى لا تصير لهم مقاليد الأمور، ظنا منهم أنهم سوف يخسرون مكانتهم بين قومهم لقدوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بتلك الرسالة، لا اعتمادا على الحق بأنهم حين ينصرون نبيهم ينالوا بذلك شرف صحبته، وعليه فإنهم بتلك الحملة لا يعلنون حربهم على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وحسب، وإنما يعلنون حربهم على الله، ولذلك حاربهم الله تعالى بقوله (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) ، ونظير ذلك في قوله تعالى (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) (عبس/17) ، ومثله في قوله سبحانه (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (المدثر/19 - 20) ، وهو تعبير قرآني يوحي بالتفظيع والتقبيح لشناعة ما يرتكبه هؤلاء في حق أنفسهم من الاعتماد على الظن فيما يعتقدونه، وكأنهم يقتلون أنفسهم بذلك، إذ لا حياة للمرء بدون عقيدة صحيحة وسليمة، وهم باستدلالهم الباطل واستقرائهم المبني على الظن أساءوا فهم عقيدة الإسلام، فنصرفوا عنها صرفا لا رجعة فيه إلى الحق.

وفي قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ) أي الذين انغمسوا في الملذات والشهوات، فلم يحملهم على اتهامهم وافتراءهم عليه بما وصفتموه إلا أنهم أُغرقتم في الملذات والشهوات، وكأن حالهم حال من غمرت المياه بيته وهو لا يشعر من السهو والسُكر، فلم يقدر على أن يفيق ولم يستطع أن ينقذ نفسه من الغرق، وقد

(1) الصحاح في اللغة ج 1 ص 167

(2) الفروق اللغوية ج 1 ص 214

(3) التحرير والتنوير ج 7 ص 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت