جاء منهج الإسلام ليصطدم بما هم مغرقين فيه من المنكرات ساهين عن حقوق الله تعالى مفرطين فيها، كالمفرط في الصلاة لا يحافظ على وقتها، قال سبحانه (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) {الماعون/5} ، ووصفهم بالساهون في هذا الموضع كناية عن حالهم إزاء حقوق الله تعالى، وكأنهم لا يعرفون فرقا بين ما أحله الله تعالى من رزق وما حرمه عليهم، معترضين على ما حرمه عليهم من المحرمات، وكأنهم يقولون مادام أن الله تعالى قد خلق ورزق فقد أحل كل ما رزق، ساهين عن الحكمة من الرزق، وأنه لأجل الابتلاء، ذلك أن الرزق قسمان، قسم أوجده الله لتستفيد منه باعتباره مقوما من مقومات الحياة، وقد سماه بالطيبات، وقسم آخر أوجده ليختبرك فيه، فيرى مدى استسلامك لأمر الله تعالى والإلتزام بشرعه، ذلك الرزق الذي أوجده لك لا لكي تأخذه وإنما لكي تمتنع عنه ولا تقربه امتثالا منك لحق الله تعالى في الألوهية بأن يأمرك بأن تفعل فتفعل حيث أمرك، ويأمرك بألا تفعل فتنتهي عما نهاك عنه، وهذا الفهم هو فهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في مسألة الرزق وقد تعلموا ذلك من النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فعن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء - أي من حرير - عند باب المسجد فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة) ، ثم جاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها حلل - أي دون أن يشتريها - فأعطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه منها حلة فقال عمر يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إني لم أكسكها لتلبسها) ، فكساها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخا بمكة مشركا [1] .
وفي قوله تعالى (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) يشرع الأفاكون في سؤال المؤمنين عن مسألة من مسائل الإيمان والاعتقاد اختاروها من جملة مسائل عديدة حيث يراهنون على عنصر الزمن فلا تزال الدنيا عالقة بقلوبهم، ظنا منها أنه لو كان أمر هذا الدين حق والآخرة حق، وكان الإسلام يضح حدا لما هم مغرقين فيه من الملذات بلا ضابط ولا حد، فإنهم إذا أسلموا سوف يطلب منهم الانتهاء عما هم فيه من إسراف إغراق، وإذ أنهم لا يريدون إيثار الآخرة على الدنيا خرصا منهم باطلا، فإنهم يراهنون على أن يكون أمر قيام الساعة متأخرا بحيث يحصلون من الدنيا علي ما يشبعون به رغباتهم حتى إذا ما شبعت رغباتهم نظروا في قضية الإيمان - تلك التي ينادي بها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه - ليتدبروا أمرها، أيقبلون بها أم يرفضونها، وكأن الأمر يحتاج إلى هذه الفسحة الكبيرة من الوقت، وكأن لحاجاتهم ورغباتهم حد! لا شك أن ذلك يدل على رفضهم لقضية الإيمان حيث بدت علامات هذا الرفض في استخفافهم بأمر الآخرة، لما قالوا (أيان يوم الدين) استبعادا له، وخرصا باطلا.
(1) رواه البخاري ج 1 ص 302 رقم 846