وفي قوله تعالى (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) تذكير بالحال الذي سوف يكونون عليه، فالدنيا مهما طالت سنواتها وكثرت ملذاتها فليست إلا ومضة عين ثم يفاجئون أنهم بعدها واقفون على الصراط والنار من تحتهم، ففي الحديث (فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم) [1] ، فهل كانوا يحتسبون هذا اليوم؟ وهل كانوا يتحسبون لتلك الفتنة؟ ليجدوا أنفسهم في فتنة ولم يفتنوا قبلها مثلها، ولم تأت الإجابة القرآنية بتحديد وقت محدد لهذا اليوم، فالأمر ليس أمر انسياق وراء أسئلتهم التي يدورون من خلالها حول قضية الإيمان مراوغة للمؤمنين، وإنما كانت الإجابة القرآنية تهديدا ربانيا لهؤلاء المستهزئين بعقيدة الإيمان، وتحذيرا من الاسترسال في الشهوات والملذات والصد عن سبيل الله تعالى.
في قوله تعالى (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) ، تهكم بأسلوب الأمر، لاستعجالهم أمر كان لهم فيه إناه استهزاءا وسخرية منه، إذ ظنوا أنهم بين أحد أمرين، فإما أن يتأخر عذابهم إلى الآخرة، لما قالوا (أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) فلا يزالون عالقين بالدنيا ناهمين منها رافضين إيثار الآخرة عليها حتى اللحظة التي يفاجئون فيها بفتنة النار، مثلهم في ذلك مثل قوم عاد وثمود ومن قبلهم قوم نوح (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) (الآيتان 43 - 44) ، وإما أن -يقع في ظنهم - أن العذاب مدركهم في الدنيا قبل أن يفرغوا من شهواتهم، وهنا يبدو تبلدهم إزاء التهديد باستعجاله، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) {يونس/50 - 51} ، وكأن الذنب ليس ذنبهم وإنما الإتيان به مستعجلا لم يمنحهم فرصة كي يتوبوا ويدخلوا في الإيمان، مثلهم في ذلك مثل فرعون وجنوده (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ) (الآية/40) .
قال تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (15 - 19)
ففي قوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) تصوير لحال المتقين في مقابلة فتنة أهل النار، وكونهم متقين أي متصفين بالكلمة الجامعة لكل محاسن الخير والصلاح، فيكون جزاءهم جنات وعيون، فعن أنس رضي الله عنه يقول أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب وإن تك الأخرى ترى ما أصنع فقال
(1) رواه البخاري ج 1 ص 277 رقم 773