الصفحة 16 من 49

(ويحك أوهبلت أوجنة واحدة هي إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس) [1] ، إنها بشري بشر بها القرآن الكريم المتقين تزيد من عزمهم، تعينهم على طاعة ربهم وتقويهم على تحمل مصاعب الطريق إلى الجنة، كما بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم أم حارثة حتى تتيقن أن مصير طاعة الله حتما الجنة ولابد أن تكون.

وأما إرداف الجنة بالعيون كناية عن تحقق أسباب الرزق بلا انقطاع، فلولا عيون الماء لما نشأت الجنات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة) [2] ، وهو الأمر الذي مفاده أن الحياة في الجنة وإن خلت من الإبتلاء إلا أنها لا تزال تسير بقانون الأسباب من حيث فاعليتها بقدرة الله مع تعلق القلب بالله، فأهل الجنة بحاجة إلى حياة بيولوجية وإن اختلفت في طبيعتها عن الحياة الأرضية، يقول صلى الله عليه وسلم (إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد) [3] ، وهذا لا ينافي أنه لا عمل في الآخر، فعن علي رضي الله عنه قال (اليوم عمل ولاحساب وغدا حساب ولا عمل) [4] ، وإنما تجري الأسباب بقدرة الله تعالى دون عمل، فقد سبق العمل في الدنيا، ولا تكليف بعد.

وفي قوله تعالى (آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) إشعار بأنهم لم ينالوا هذا الجزاء إلا بعد جهد ومشقة، فلفظ"آخذين"يدل على القوة والجهد والعمل لأجل الجنة، ولفظ (ما آتاهم ربهم) يوحي بأن الجزاء العظيم يضاهي كل عمل أحسنوه وجهد بذلوه ومشقة تكبدوها ومصيبة صبروا عليها صبرا جميلا، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ) [5] ، وذلك لقاء إحسانهم العمل، وزهدهم في متاع الدنيا، لاستمتاعهم استئناف طاعة ربهم ليل نهار، دون كلل أو ملل، غير مفتونين بشهوة ولا متثاقلين براحة أو مقصرين في عبادة، قال تعالى (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) {النحل/128} .

(1) رواه البخاري ج 12 ص 377 رقم 3683

(2) رواه البخاري ج 9 ص 354 رقم 2581

(3) رواه الترمذي ج 9 ص 135 رقم 2494 وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن الترمذي: ج 6 ص 71 رقم 2571

(4) صحيح البخاري ج 20 ص 40

(5) رواه مسلم ج 13 ص 411 رقم 5021

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت