وفي قوله تعالى (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ *وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ *وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) : تركيز على عنصري الوقت والمال في حياة المحسنين، فلو نظرنا على أساس النجاح في الدنيا لوجدنا أنه فن إدارة الوقت والمال، فكذلك الآيات تنبه المسلم إلى أهميتهما ليصلح شأن آخرته، وقد نعت الله تعالى المحسنين بحسن إدارتهم لأوقاتهم وأموالهم حتى نالوا هذه المرتبة.
ففي قوله تعالى (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) تعيين لأهم أوقات اليوم وهو الليل، حيث يسري دون استشعار بمضي الوقت، بخلاف النهار يسري ونحن على مشهد من امتداد الظل ثم تقلصه حال تعامد الشمس ثم امتداده آخر النهار، وفيه -كذلك- تعيين لأكثر الأعمال استغراقا للأوقات ألا وهو النوم، فنجد حال المحسنين في كلا الأمرين بين الاجتهاد في الطاعة والاقتصاد في العادات، فيهتمون بتقليل ساعات النوم ليدخروا أوقاتا يستزيدون فيها من عبادة ربهم مستقطعينها من أوقات نومهم وراحتهم، يقول أبو حامد الغزالي:"وفي كثرة النوم: ضياع العمر، وفوت التهجد، وبلادة الطبع، وقساوة القلب، والعمر أنفس الجواهر، وهو رأس مال العبد فيه يتجر، والنوم موت، فتكثيره يُنقص العمر، ثم فضيلة التهجد لا تخفى، وفي النوم فواتها" [1] .
ولما كان المحسنون لا ينامون من الليل إلا قليلا، فإنه باستقطاع ساعتين أول الليل بين صلاة المغرب والعشاء، حيث يكره النوم فيهما، لما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كَانَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ [2] ، وساعتين آخر الليل لانشغال المحسنين بالاستغفار في السحر وقرآن الفجر الذي جعله الله مشهودا، فإنه لن يتبقى من الليل إلا في غضون سبع ساعات على أقصى تقدير بالنسبة للبلاد الحارة أو المعتدلة، ومن ثم فإنهم ينامون من الليل ما بين ساعتين إلى ثلاث، ولما كان نومهم بالنهار قيلولة عملا بقول الله تعالى وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا.
وعليه فإننا أمام تساؤلات أربع إزاء ظاهرة قلة نوم المحسنين، الأول فيما يقضي المحسنون باقي أوقاتهم بالليل في غير النوم؟ وهل يستطيع المحسن أن يجتهد طوال يومه في سائر الطاعات رغم قلة نومه؟ وكيفية رفع قدرة الجهد البشري لفعل ذلك؟ وعلام يدل ذلك؟
(1) إحياء علوم الدين ج 3 ص 86
(2) رواه مسلم ج 3 ص 363 رقم 1026