فبالنسبة للتساؤل الأول بشأن الأعمال التي يقضيها المحسنون في أغلب فترات الليل فإنها تتناسب جميعها مع طبيعة هذا الوقت وما فيه من الخلوة، فالليل مخصص في الأصل لخلوات ثلاث، خلوة مع الله وخلوة مع الأهل وخلوة مع النفس، وقد أشار إلي ذلك حديث سلمان، في قوله صلى الله عليه وسلم (إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه) [1] ، وأكد هذا المعني عبدا لله بن مسعود فقال: (يا هذا إن لنفسك عليك حقا ولبدنك عليك حقا فاعط كل ذي حق حقه) [2] ، فمن الطبيعي أن يقسم المسلم الليل لثلاثة أقسام، وليبدأ بالقسم المخصص لأهله حتى لا يشق عليهم ويحملهم على السهر لأجله، ثم يثني بالقسم المخصص لنفسه فيشرع في النوم وسط الليل، ثم يجعل القسم الأخير من الليل لقيام الليل وصلاة التهجد والاجتهاد في الدعاء والاستغفار، أو للعلم إن كان من أهله، فعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا) [3] .
أما بالنسبة للتساؤل الثاني بشأن قدرة جسد الإنسان على تحمل قلة النوم وتعوده على ذلك، فالأبحاث العلمية التي أجريت على البشر وإن أكدت خلاف ذلك إلا أنها أجريت على الإنسان العادي، ومن ثم فلم تجر أبحاث علمية على المحسنين، لأن ذلك لا يتحقق إلا إذا كان الجسد مقبلا على الطاعات بنهم شديد، فكلما أتى طاعة استجابت طاقة الجسد لهذه الطاعة وتجددت طاقته من جديد، وفي المقابل تؤثر المعصية على قدرة الجسد على الصبر والجلد والتحمل، وعلى ذلك فالأبحاث الطبية التي يجريها الغرب لا تستطيع أن تثبت ذلك لأنها تجري على من حرم لذة الطاعة في الغالب، ومن ثم تكون النتائج البحث مخالفة تماما لمقتضى تلك الآية، فكلما أتى المسلم معصية ضعف جسده وقلت قدرته على تحمل الأعمال والإكثار من الطاعات ومن ثم احتاج الجسد لمزيد من ساعات النوم من أثر المعصية، ولو ظل الجسد متمتعا بالمعصية ولم يسترح منها قدرا يزيد عن حاجة غيره للنوم، فإن الأمراض لابد وأن تنال منه حتى يرتاح الجسد مكرها من أثر المعصية، ولعل ذلك يأتي له بالراحة متى قصرت أعمال الطاعات عن أن يكفر عن سيئاته، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) [4] .
(1) رواه البخاري ج 2 ص 694 رقم 1867
(2) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبو نعيم الأصفهاني ج 10 رقم 33 دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الرابعة، 1405
(3) رواه البخاري ج 4 ص 294 رقم 1063
(4) رواه البخاري ج 5 ص 2137 رقم 5318