أما التساؤل الثالث: بشأن كيفية رفع قدرة الجهد البشري تحمل ذلك، فإن ذلك لا يتأتي إلا بالتدريب والتمرن، ولا يجوز اتباع الشدة في أول الأمر، وإنما ينبغي التدرج في العبادة حتى لا تأتي بنتائج عكسية، فعن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ» [1] ، وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن المبالغة في العبادة بما يشقُّ على النفس؛ وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ) [2] ، كما أن الاقتصاد في العبادة مطلوب حتى يكون أدعى للاستمرار فيها لا الانقطاع عنها، فعن عَائِشَةَ - رضي اللهُ عنها - ذكرت:"أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا) [3] ."
أما بالنسبة للتساؤل الرابع بشأن دلالة تقليل عدد ساعات النوم بالنسبة للمحسنين فإن ذلك له دلالة كبيرة على أن حاجة المسلم للنوم الذي يحسن في عبادته لله تعالى أقل من حاجة غيره، فهو لا يتكلف من الطعام إلا أقله ومن النوم إلى يسيرا ومن الراحة إلا سويعة ومن الكسب إلا ما يكفي من يعوله، وإن ازداد في كسبه فإنه يزداد فيمن يعول، ومن مؤن الدنيا إلا ما يقتات منه لأجل الآخرة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء) [4] ، وقس على ذلك سائر الأمور.
فإذا كان ذلك يسري على طعامه وشرابه ونومه، فهل ذلك يسري كذلك بالنسبة لحاجته إلى قضاء شهوته وأنسه بأهله؟ يخبرنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة [5] ، وهو أمر معجز فبالرغم من قلة طعام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلة نومه إلا أن العجيب أن يقدر على ذلك، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها عن طعامه (إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نار فقلت ما كان يعيشكم؟ قالت الأسودان التمر والماء) [6] ،
(1) رواه البخاري ج 1 ص 356 رقم 205
(2) رواه البخاري ج 4 ص 324 رقم 1082
(3) رواه مسلم ج 4 ص 191 رقم 1307
(4) رواه البخاري ج 5 ص 2061 رقم 5078
(5) رواه البخاري ج 1 ص 109 رقم 280
(6) رواه البخاري ج 5 ص 2372 رقم 6094