إذن كيف كان يجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين قلة المؤنة وقوة الرغبة؟ فعن أنس بن مالك قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال قلت لأنس أو كان يطيقه؟ قال كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين [1] ، فإن كانت طاقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدرته تعدل ثلاثين رجلا، فإن معدل استهلاك هذه الطاقة لو وزع على ثلاثين رجلا لنعرف معدل القدرة الطبيعية للرجل الواحد - باستثناء فترة الفتوة -، لعلمنا أن الرجل الطبيعي يأتي أهله - في ظل انشغالاته اليومية - مرتين أو ثلاثة في الأسبوع وقد تزيد أو تقل قليلا، وهذا هو التوازن أشار إليه حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة [2] - وكان هذا قبل فرض الحجاب - فقال لها ما شأنك؟ قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال كل قال فإني صائم قال ما أنا بآكل حتى تأكل قال فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال نم فنام ثم ذهب يقوم فقال نم فلما كان من آخر الليل قال سلمان قم الآن فصليا فقال له سلمان إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (صدق سلمان) [3] .
في قوله تعالى (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) : إشارة إلى أن الإحسان لا يقتصر على إصلاح العلاقة بين المسلم وربه في عباداته وصلواته وليس قاصرا على تحقيق التوازن الحياتي للفرد ليصلح شأن نفسه وحسب، وإنما يتعدى ذلك إلى إصلاح المجتمع أيضا، ولذلك ألحقت الآيات حقوق المحتاجين والمستضعفين بأموال المحسنين ليستقطعوا منها ما يكف حاجتهم ويعفهم عن السؤال والحاجة، وليس ذلك من باب الفضل، وإنما هو حق يستقطعه ذووا الحاجة من أموال المحسنين، ولا نقص مال من صدقة، يقول الحق سبحانه (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ/39) ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما نقص مال عبد من صدقة) [4] .
والذي يجدر التنويه إليه أن حقوق هؤلاء المساكين والمحرومين يجب أن تستوفى فور استحقاقها ولا تؤجل، لأنها واجبات على الفور لدفع حاجة مستعجلة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (الظلم مطل الغني) [5] ، ولذلك لم يكتف العلماء بنصاب الزكاة لدفع الواجب على الغني طالما لا يزال الفقير في فاقة وحاجة شديدة،
(1) رواه البخاري ج 1 ص 105 رقم 265
(2) متبذلة) لابسة ثياب البذلة وهي المهنة أي تاركة لباس الزينة
(3) رواه البخاري ج 2 ص 694 رقم 1867
(4) رواه الترمذي ج 4 ص 562 رقم 2325 وصححه الألباني
(5) رواه ابن ماجة ج 2 ص 803 رقم 2403 وصححه الألباني