الصفحة 21 من 49

وبوب علماء السنة أبوابا بعنوان (أن في المال حقا سوى الزكاة) ، وإن كانت الروايات المصرحة بذلك لم يعتمدها علماء المصطلح إلا أن علماء الفقه أجمعوا على هذه القاعدة استنادا للأحاديث الأخرى الذي تؤكد ذات المعنى وإن لم تكن بذات التصريح مثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع) [1] ولذلك فإن المحسنين يُخرجون أنفسهم من هذه الإشكالية فلا يشبعوا حتى لا يكون أحدا في الأمة جائعا وهو شبعان فينتفي عنه الإيمان بتصريح النبي - صلى الله عليه وسلم -.

والسؤال هنا كيف يعطي المسلم حق المحتاجين والمحرومين؟ أينتظر ليبادره بالسؤال أم عليه أن يتقصى عنه حتى يجده ليعطيه حقه؟ فالمنطق أن على المدين قضاء دينه متى استحق أجله دون أن يطالبه الدائن بالوفاء، وهو ما أكده الحديث السابق الإشارة إليه (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع) [2] ، وإن جاء التعبير القرآني بلفظ (السائل) رغم أن المحسن لا ينتظر السؤال حتى يقضي دينه، وإنما جاء اللفظ بقوله (السائل) ليضع ضابط مادي لا عذر بعده متى وصل الحال بذي الحاجة والفاقة إلى درجة السؤال، فعن أم بجيد قالت يا رسول الله: إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئا أعطيه إياه فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم تجدي شيئا تعطينه إياه إلا ظلفا محروقا فادفعيه إليه في يده) [3] .

والمسألة الأخرى التي يجب التنويه عنها هي من هو السائل الذي يجب أن يُعطى هذا الحق؟ فقد يحتال بعض السائلين ليقتاتوا من الصدقات دون حق لهم في ذلك، بيد أن ذلك لا يجب أن يكون مانعا من استمرار المحسنين في استقطاع حقوق السائلين والمحرومين من صدقاتهم، وإن كان من الواجب أن تجري المفاضلة بين من يستحق الصدقة ومن لا يستحقها، ولذلك أشار القرآن إلى أن المحسنين هم أقدر الناس على معرفة من يستحقها من سيماهم، قال تعالى (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة/273) ، فهم أفطن الناس من غيره في ذلك، بل إنهم من العاملين عليها في الغالب.

وقد نهى الإسلام عن السؤال وبشع من يسأل ليتمول من أقوات الناس ويتسول أرزاقهم، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) [4] ، وقال صلى الله عليه وسلم

(1) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 52 رقم 112 وصححه الألباني

(2) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 52 رقم 112 وصححه الألباني

(3) رواه الترمذي ج 3 ص 52 رقم 665 وصححه الألباني

(4) رواه البخاري ج 2 ص 537 رقم 1405

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت