الصفحة 22 من 49

(ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي أو لا يسأل الناس إلحافا) [1] ، وقد بوب العلماء هذا الحديث حتى عنوان من سأل الناس تكثرا، وبذلك ينصرف الذم إلى من يسأل الناس وفي إمكانه أن يعف نفسه بالعمل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (أن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) [2] ، كما يشمل الذم من سأل الناس دون أن يتحرج ويكرر عليهم المسألة، فهو خارج عن مفهوم المسكين الوارد في قوله سبحانه (لا يسألون الناس إلحافا) ، ولذلك قال الشوكاني (أن المراد أنهم إذا سألوا سألوا بتلطف ولا يلحفون في سؤالهم) ، وهذا لمن لم يقدر على العمل ولم يجد من يكفله، كما استعجب الشوكاني السؤال فقال (هذا وإن كان هو الظاهر من توجه النفي إلى القيد دون المقيد لكن صفة التعفف تنافيه وأيضا كون الجاهل بهم يحسبهم أغنياء لا يكون إلا مع عدم السؤال ألبتة) [3] ، فذاك الرأي كان في زمنهم حيث لم يكثر الفقر ولم يحتجب الأغنياء عن الفقراء، أما وقد ظهرت الفاقة حتى أضحت شعوب تعيش تحت خط الفقر، يشربون ماءا ملوثا ويقتاتون على بقايا الطعام في المخلفات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

أما المحروم فقد ورد ذكره في القرآن مرتين، في هذا الموضع وفي سورة المعارج، وذلك للتأكيد على أن هناك طبقة في المجتمع قد حرمت من حقوقها بسبب ظلم ساداته وزعمائه، فينتبه إليها المحسنين ليقيموا ميزان العدل الاجتماعي ويقوموا شيئا مما أفسده الساسة من ظلم وحرمان لهؤلاء المساكين إزاء حقوقهم في الناتج القومي نتيجة لسوء توزيعه على الرعية، وقد علق ابن عاشور على ذلك - كله - فقال: (قد تضمنت هذه الأعمال الأربعة أصلي إصلاح النفس وإصلاح الناس، وذلك جماع ما يرمي إليه التكليف من الأعمال فإن صلاح النفس تزكية الباطن والظاهر ففي قيام الليل إشارة إلى تزكية النفس باستجلاب رضى الله تعالى، وفي الاستغفار تزكية الظاهر بالأقوال الطيبة الجالبة لمرضاة الله عز وجل، وفي جعلهم الحق في أموالهم للسائلين نفع ظاهر للمحتاج المظهر لحاجته، وفي جعلهم الحق للمحروم نفع المحتاج المتعفف عن إظهار حاجته الصابر على شدة الاحتياج) [4] .

قال تعالى (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (20/ 23)

(1) رواه البخاري ج 2 ص 537 رقم 1406

(2) رواه البخاري ج 2 ص 535 رقم 1402

(3) فتح القدير ج 1 ص 397

(4) تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت