استخدم القرآن الكريم أسلوب القصر بتقديم الخبر على المبتدأ (وَفِي الْأَرْضِ ... ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ ... ، وَفِي السَّمَاءِ ... ) وذلك في شأن إظهار عناصر الكون الثلاثة الأرض والبشر والسماء، ثم استخدم أسلوب القسم (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) للتأكيد على حتمية الرزق في الدنيا والجزاء في الآخرة (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) .
ففي قوله تعالى (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) إشارة إلى ما تحويه الأرض من الآيات الدالة على تصريف الله لأرزاق العباد، يقول سبحانه (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (36/يس) ، والتفكر في خلق الأرض وما عليها من آيات أقرب طريق يوصول إلى اليقين، وأنجع وسيلة تطمئن بها القلوب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال تفكر ساعة خير من قيام ليلة [1] ، لما لا وقد اطمأن بها قلب نبي الله إبراهيم عليه السلام، (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ، فإذا ما اطمأن القلب حيا فيه اليقين، ليدرك من الآيات ما تتحدث عنه الأرض من إبداع وجمال، ناطقة للقلب بأسرارها المكنونة، وإن لم يطمئن فلن يصل إلى هذه المرحلة، وتظل تلك المشاهد جامدة ميتة جوفاء؛ لا تنطق للقلب بكلمة؛ ولا تتجاوب معه بشيء، يقول صاحب الظلال (وكثيرون يمرون بالمعرض الإلهي المفتوح مغمضي العيون والقلوب، لا يحسون فيه حياة، ولا يفقهون له لغة؛ لأن لمسة اليقين لم تحي قلوبهم، ولم تبث الحياة فيما حولهم! وقد يكون منهم علماء، {يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا} [2] .
وفي قوله تعالى (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) استفهام استنكاري يحفز المسلم على التفكر في نفسه دون أن يجهد نفسه عناء التفكر بعيدا في مخلوقات الله تعالى، إنما هي نفسه التي خلقها الله فيه، ألا تستدعي هذه النفس أن يصرف جزءا من وقته للتفكر فيها، كيف خلقها الله وكيف بالنوم يميتها ثم يحييها كل يوم بعدما أماتها بالنوم، يقول سبحانه (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر/42) ، وكيف لا يستطيع الإنسان أن يمنع نفسه من النوم .. ؟! أو الاستيقاظ، فمن الذي أنامها ومن الذي أيقضها؟ ولماذا أرسلها بعد أن قبضها؟ يرسلها لأجل مسمى ثم يقبضها، كل ذلك وهو جاهل من أين يأتيها رزقها بالحياة مرة أخرى ثم يسلبها هذا الرزق كل ليلة ثم يحييها ثم يميتها إلى أجل مسمى.
(1) العظمة لأبو الشيخ الأصبهاني ج 1 ص 298 - وانظر كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج 3 ص 107 رقم 5711
(2) في ظلال القرآن ج 7 ص 30