وفي قوله سبحانه (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) إشارة إلى أسباب الرزق، وأن مصدره السماء لا الأرض، فهو الذي بيده الملك رب السموات والأرض، وليس بيد البشر الذين يُرزقون جميعا بهذا الرزق، لكن المفارقة أن يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله لأجل هذا الرزق، رغم أن جميع أسباب الرزق في الأرض ليست إلا صورا وهمية، ليست هي الفاعلة حقيقة لنزول هذا الرزق، ذلك أن الله تعالى هو الذي صنعها والقادر علي أن يعدمها فاعليتها، يقول سبحانه (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) (تبارك/21) ، يقول بعض السلف (ألا إني أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض؟) ، وكلمة الرزق تتسع لتشمل كل ما ينعم الله به على الإنسان من نعم سواء تعلقت بالصحة و المال والسلطان والأولاد ... الخ، فإن قدر الله وتقديره الذي قدره في السماء شمل ذلك كله دون أن يوكل أمره لأحد، يقول صاحب الظلال (فمع أن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض، ... فإن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء، إلى الغيب، إلى الله، والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على حقيقتها؛ ... ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها، فهو مكلف بالخلافة فيها وتعميرها، إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بها، وألا يغفل عن الله في عمارتها، ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء، وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه، فرزقه مقدر في السماء، وما وعده الله لا بد أن يكون) .
وفي قوله تعالى (وَمَا تُوعَدُونَ) قال ابن عاشور (هذه خصوصية من خصائص إعجاز القرآن، فإن هذه الصيغة(تُوعَدُونَ) صالحة لأن تكون مصوغة من الوعد وزن تفعلون ... ،وصالحة لأن تكون من الإيعاد ووزنه تأفعلون، فاحتملت للبشارة والإنذار) [1] ، وقد وعد الله في كتابه العزيز بجملة مسائل منها قيام الساعة والبعث فقال سبحانه (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) {الحج/7} ، ومنها إنزال البلاء بالظالمين، فقال سبحانه (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (الرعد/31) ، كما وعد بالرزق (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) ، إذن هناك بشريات وهناك قوارع وعد الله بها، ومن البشريات التي ذكرتها السورة ببشرى ولد إبراهيم عليه السلام، ومن القوارع ما نزل بقوم فرعون وعاد وثمود وقوم نوح من العذاب.
وكلا من البشريات والقوارع بقدر الله وتقديره الذي في السماء، أي ينزل من السماء كما في الحديث (إن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان) [2] ، يقول ابن عاشور: (وكون ذلك في السماء يجوز أن يكون معناه أنه محقق في علم أهل السماء، أي الملائكة الموكلين بتصريفه وفيه إيماء إلى أن ما أوعدوه يأتيهم من قبل
(1) التحرير والتنوير ج 27 ص 21
(2) الجامع الصغير وزياداته ج 1 ص 1370 رقم 13697