السماء، كما قال تعالى {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان:11،10] فإن ذلك الدخان كان في طبقات الجو كما تقدم في سورة الدخان).
وفي قوله سبحانه (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (23) تأكيد للقسم الأول بقسم ثاني، وفيه ضرب للمثل بأمر واقعي ملموس لا يتطرق إليه شك، وهو ما ينطق به الإنسان من كلمات تخرج من فيه، فالنطق هو المثال المستشهد به في هذا الموضع، وهو أحد الحواس المنعم بها عليه، والمقسم عليه (إنه لحق) أي أن الله هو الرازق لكل الدواب، وأنه هو الجبار المنتقم من الظالمين، ولعل القسم بحاسة النطق دون النظر أو السمع أو اللمس .. له دلالة على ما يتميز به مركز النطق في المخ من القدرة على التحكم بإرسال اللسان وإمساكه، وهي قدرة إرادية بخلاف النظر أو السمع أو الإحساس فكلها جوارح تعمل بطريقة لا شعورية إلا اللسان فإنه يعمل بأسلوب شعوري إرادي، فإذا أراد العقل النطق بكلمة فإنه يأمر اللسان بها فينفذ الأمر، وهو قادر على أن يسلب اللسان قدرته على النطق، فيأمره بالصمت فيصمت، وكذلك إرادة الله سبحانه حين يمسك الرزق ويرسله، وحين يأمر بالعذاب أو يؤجله، فكل ذلك وفق مشيئته وتقديره، ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، يقول سبحانه (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (فاطر/2 - 3)
قال تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (24 - 30)
قال ابن عاشور (انتقال من الإنذار والموعظة والاستدلال إلى الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المماثلة للمخاطبين المشركين في الكفر وتكذيب الرسل) .
إذ لا شك أن في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، والحديث عن سيرته ما يعين على التأسي بإحسانه وصدق توكله على ربه وقوته في الحق، واستكمالا لما في سيرته من عبر فإن السورة استقطعت منها ومضة خاطفة حال زيارة الملائكة له في صورة بشر، فكان لإكرامهم دروس وعبر، تأكيدا على مفهوم أن الله تعالى مستخلفنا في هذا الرزق، وفي بشارته بخير الرزق - وهو الولد - دروس أخرى وعبر، تأكيدا على مفهوم أن