فهرس الكتاب
والثَّاني: وهو ما سَقَطَ مِن آخِرِهِ مَن بعدَ التَّابعيِّ هو المُرْسَلُ:
وصورَتُه أَنْ يقولَ التابعيُّ سواءٌ كانَ كبيرًا أو صغيرًا قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ [وآلهِ] وسلَّمَ كذا، أو: فعَلَ كذا، أو: فُعِلَ بحضرتِه كذا، أونحوُ ذلك.
وإِنَّما ذُكِرَ في قسمِ المَردودِ للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ؛ لأَنَّه يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ صحابيًّا، ويُحْتَمَلُ [أَنْ يكونَ] تابعيًّا، وعلى الثَّاني يُحْتَمَلُ [أَنْ يكونَ ضَعيفًا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ ثقةً، وعلى الثَّاني يُحْتَمَلُ[1] ]أَنْ يكونَ حَمَلَ عن صحابيٍّ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حَمَلَ عن تابعيٍّ آخَرَ، وعلى الثَّاني فيعودُ الاحتمالُ السَّابقُ، ويتعدَّدُ (( و ) )أَمَّا بالتَّجويزِ العقليِّ، فإِلى ما لا نهايةَ لهُ، وأَمَّا بالاستقراءِ؛ فإِلى ستَّةٍ أَو سبعةٍ، وهو أَكثرُ ما وُجِدَ مِن روايةِ بعضِ التَّابعينَ عن بعضٍ.
فإِنْ عُرِفَ مِن عادةِ التَّابعيِّ أَنَّه لا يُرسِلُ إِلاَّ عن ثِقةٍ؛ فذهَبَ جُمهورُ المحُدِّثينَ إِلى التوقُّفِ؛ لبقاءِ الاحتمالِ، وهُو أَحدُ قولَيْ أَحمدَ.
وثانيهِما - وهُو [قولُ] المالِكيِّينَ والكوفيِّينَ - يُقْبَلُ مُطْلقًا.
وقالَ الشَّافِعيُّ [رضيَ اللهُ عنهُ] : يُقْبَلُ إِنِ اعْتَضَدَ بمجيئِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ يُبايِنُ الطُّرُقَ الأولى مُسْنَدًا كانَ أَو مُرْسَلًا؛ ليترجَّحَ احتمالُ كونِ المحذوفِ ثقةً في نفسِ الأمرِ [2] .
ونقلَ أَبو بكرٍ الرَّازيُّ مِن الحنفيَّةِ وأبو الوليدِ الباجِيُّ مِن المالِكيَّةِ أَنَّ الرَّاويَ إِذا كانَ يُرْسِلُ عنِ الثِّقاتِ وغيرِهم لا يُقْبَل مُرسَلُه اتِّفاقًا [3] .
وَالقسمُ الثَّالِثُ مِن أَقسامِ السَّقْطِ مِن الإِسنادِ إِنْ كانَ باثنَيْنِ فصاعِدًا مَعَ التَّوالي؛ فهو المُعْضَلُ، وإِلاَّ فإِنْ كانَ السَّقْطُ باثنينِ غيرِ متوالِيَيْنِ في مَوضِعَيْنِ مثلًا؛ فهُو المُنْقَطِعُ، وكذا إِنْ سَقَطَ واحدٌ فقط، أَو أَكثرُ مِن اثنينِ، لكنَّه بشرطِ عدمِ التَّوالي.
ثمَّ إِنَّ السَّقطَ مِن الإِسنادِ قدْ يَكونُ واضِحًا يحصُلُ الاشْتِراكُ في معرفَتِه ككَوْنِ الرَّاوي مثلًا لم يُعْاصِرْ مَن روى عنهُ أَوْ يكونُ خَفِيًّا؛ فلا يُدْرِكُهُ إِلاَّ الأئمَّةُ الحُذَّاقُ المُطَّلِعونَ على طُرُقِ الحديثِ وعِلَلِ الأسانيدِ.
فالأَوَّلُ وهُو الواضحُ يُدْرَكُ بعَدمِ التَّلاقي بينَ الرَّاوِي وشيخِهِ بكونِه لمْ يُدْرِكْ عصْرَهُ أَو أَدْرَكَهُ لكنَّهما لم يجْتَمِعا، وليستْ لهُ [منهُ] إِجازةٌ ولا وِجَادَةٌ.
ومِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلى التَّاريخِ لتضمُّنِهِ تحريرَ مواليدِ الرُّواةِ ووَفياتِهِم وأَوقاتِ طَلَبِهِم وارْتِحالِهم.
وقد افْتُضِحَ أَقوامٌ ادَّعَوا الرِّوايةَ عن شيوخٍ ظهرَ بالتَّاريخِ كَذِبُ دعْواهُم.
(1) يحتَمِل بفتح التاء وكسر الميم أحسن.
(2) الصواب أنه لا يقبل حتى يصرح لأنه قد ينسى فيعلق عن غير ثقة فلا يقبل إلا إذا صرح
(3) وهذا صحيح فإذا كان معروفًا بالتساهل فلا يقبل بالإتفاق لأنه قد يرسل عن ثقة وعن غير ثقة.