فهرس الكتاب
قالَ أَبو قِلابةَ (( عن أنس ) ): لو شِئْتُ لقلتُ: إِنَّ أَنسًا رفَعَهُ إِلى النبيِّ[صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
أَي: لو قُلتُ: لمْ أَكْذِبْ؛ لأَنَّ قولَه: (( مِن السُّنَّةِ ) )هذا معناهُ، (( و ) )لكنَّ إِيرادَهُ بالصِّيغَةِ التي ذَكَرها الصَّحابيُّ أَوْلى
ومِن ذلك [1] : قولُ الصَّحابيِّ: أُمِرْنا بكَذا، أَو: نُهينا عنْ كذا، فالخِلافُ [فيهِ] كالخِلافِ في الَّذي قَبْلَهُ؛ لأنَّ مُطْلَقَ ذلك ينصَرِفُ بظاهِرِه إِلى مَنْ لهُ الأمرُ والنَّهْيُ، وهُو الرَّسولُصلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
وخالفَ في ذلك طائفةٌ (( و ) )تمَسَّكوا باحْتِمالِ أَنْ يَكونَ المُرادُ غيرَه، كأَمرِ القُرآنِ، أَو الإِجماعِ، أَو بعضِ الخُلفاءِ، أَو الاستِنْباطِ!
وأُجيبوا بأَنَّ الأصلَ هو الأوَّلُ، وما عداهُ مُحْتَمَلٌ، لكنَّهُ بالنسبةِ إليهِ مرجوحٌ. [2]
وأَيضًا؛ فمَن كان في طاعةِ رئيسٍ إِذا قالَ: أُمِرْتُ؛ لا يُفْهَمُ عنهُ أَنَّ آمِرَهُ [ليس] إِلاَّ رئيسُهُ.
وأَمَّا قولُ مَن قالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُظنَّ ما ليسَ بأمرٍ أمرًا! فلا اخْتِصاصَ لهُ بهذهِ المسأَلَةِ، بل [هُو] مذكورٌ فيما لو صرَّحَ، فقالَ: أَمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ [وآلهِ] وسلَّمَ بكذا.
وهو احْتِمالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الصَّحابيَّ عدلٌ عارفٌ باللِّسانِ، فلا يُطلقُ ذلك إِلاَّ بعدَ التحقُّقِ [3]
ومن ذلك: قولُه: كنَّا نفعَلُ كذا، فلهُ حُكْمُ الرَّفعِ أَيضًا كما تقدَّمَ. [4]
ومِن ذلك: أَنْ يَحْكُمَ الصَّحابيُّ على فِعلٍ مِن الأفعالِ بأَنَّه طاعةٌ للهِ (( تعالى ) )أَو لرسولِهِ [صلَّى اللهُ عليهِ وآلة وسلَّمَ] ، أَو معصيةٌ؛ كقولِ عَمَّارٍ: (( مَن صامَ اليومَ الَّذي يُشَكُّ فيهِ؛ فقدْ عَصى أَبا القاسِمِ (( صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ) ) [5]
فلهذا حُكْمُ الرَّفعِ أَيضًا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذلك ممَّا تلقَّاهُ عنِ [النبيِّ] صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
أَوْ تَنْتَهي غايةُ الإِسنادِ إلى الصَّحابِيِّ كَذلكَ؛ أَي: مِثْلَ ما تقدَّمَ في كونِ اللَّفْظِ يَقْتَضي التَّصريحَ بأَنَّ المَقولَ هُو مِن قولِ الصَّحابيِّ، أَو مِن فعلِهِ، أَو مِن تقريرِه، ولا يَجيءُ فيهِ جَميعُ ما تقدَّمَ بل مُعْظَمُه.
والتَّشبيهُ لا تُشْتَرَطُ فيهِ المُساواةُ مِن كلِّ جهةٍ
(1) فجر الأحد 21/ 10 / 1416 هـ
(2) وهذا هو الصواب أن له حكم الرفع كقول ابن عباس (أمر الناس أن يكون عهدهم بالبيت) وهذا كثير في لسان الصحابة ومثله قول أم عطية (نهينا أن اتباع الجنائز) .
(3) وهذا القول واضح فلا يظن بالصحابي قد يظن ما ليس بأمرٍ أمرًا وما ليس بنهي ليس نهيًا هذا غلط فلا يظن بهم ذلك فهم أفصح الناس وأعرف الناس وهم أكثر الناس أمانة فإذا قال أمرنا أو نهينا فهو يعرف الأمر والنهي.
(4) كقول جابر (كنا نعزل والقرآن ينزل) .
(5) ومثله قول أبي هريرة لما رأى رجلًا خرج من المسجد بعد الأذان فقال (أما هذا فقد عصى أبا القاسم) .