فهرس الكتاب
وقد عَظُمَتْ رغبةُ المُتأَخِّرينَ فيهِ، حتَّى غَلَبَ ذلك على كثيرٍ منهُم، بحيثُ أَهْمَلوا الاشتِغالَ بما هُو أَهمُّ منهُ. [1]
وإِنَّما كانَ العلوُّ مَرغوبًا فيهِ؛ لكونِه أَقربَ إِلى الصحَّةِ، وقلَّةِ الخطأِ؛ لأنَّهُ ما مِن راوٍ مِن رجالِ الإِسنادِ إِلاَّ والخطأُ جائزٌ عليهِ، فكلَّما كَثُرتِ الوسائطُ وطالَ السَّندُ؛ كَثُرَتْ مظانُّ التَّجويزِ، وكلَّما قلَّتْ؛ قلََّتْ.
فإِنْ كانَ في النُّزولِ مَزِيَّةٌ ليستْ في العلوِّ؛ كأَنْ يكونَ رجالُه أَوثقَ [منهُ] ، أَو أَحفَظَ، أَو أَفقهَ، أَو الاتِّصالُ فيهِ أَظهرَ؛ فلا تردُّدَ في أَنَّ النُّزولَ حينئذٍ أَولى. [2]
وأَمَّا مَن رجَّحَ النُّزولَ مُطلقًا، واحْتَجَّ بأَنَّ كَثرةَ البحثِ تقتَضي المشقَّةَ؛ فيعظُمُ الأجْرُ! [3]
فذلك ترجيحٌ بأَمرٍ أَجنبيٍّ عمَّا يتعلَّقُ بالتَّصحيحِ والتَّضعيفِ.
وفيهِ؛ أي: (( في ) )العلوِّ النسبيِّ المُوافَقَةُ [4] ، وهي الوصول إلى شيخِ [أحدِ] المُصَنِّفينَ مِن غيرِ طريقهِ؛ أَي: الطَّريقِ التي تصلُ إِلى ذلك المصنِّفِ المُعيَّنِ.
(( و ) )مثالُه: روى البُخاريُّ عن قُتيبةَ عن مالكٍ حديثًا ...
فلو رَوَيْناهُ مِن طريقِهِ؛ كانَ بينَنا وبينَ قُتَيْبَةَ ثمانيةٌ، ولو رَوْينا ذلك الحَديثَ [بعينِه] مِن [طريقِ] أَبي العبَّاس السَّرَّاجِ عن قُتيبةَ مثلًا؛ لكانَ بينَنا وبينَ قُتيبةَ (( مثلًا ) )(( فيه سبعةٌ.
فقدْ حَصَلَتْ لنا المُوافقةُ معَ البُخاريِّ في شيخِهِ بعينِهِ معَ عُلوِّ الإِسنادِ [على الإِسنادِ] إِليهِ.
وفيهِ؛ أَي: (( في ) )العلوِّ النسبيِّ البَدَلُ، وهو الوُصولُ إِلى شيخِ شيخِهِ [كذلكَ]
كأَنْ يقعَ لنا ذلك الإِسنادُ (( على الإسناد إليه ) )بعينِهِ مِن طريقٍ أُخرى إِلى القعنَبِيِّ عن مالكٍ، فيكونُ القَعْنَبيُّ بَدلًا فيهِ مِن قُتَيْبَةَ.
وأَكثرُ ما يعتَبِرونَ المُوافَقَةَ والبَدَلَ إِذا قارَنَا العُلُّوَّ، وإِلاَّ؛ فاسمُ المُوافقةِ والبَدلِ [واقِعٌ] بدُونِه.
وفيهِ؛ أَي: العُلوِّ النسبيِّ المُساواةُ، وهي: استواءُ عدَدِِ الإِِسنادِِ مِن الرَّاوي إِلى آخِرِهِ؛ أَي: الإِسنادِ مَعَ إِسنادِ أَحدِ المُصَنِّفينَ.
كأَنْ يروِيَ النَّسائيُّ مَثلًا حَديثًا [يقعُ] بينَهُ وبينَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ [فيهِ] أَحدَ عشرَ نفسًا [5] ، فيقعُ
(1) وهذا ليس بجيد والأولى الاشتغال بما ينفع في ثقة الرجال واستقامة الاسانيد هذا ما ينبغي فيه العناية.
(2) وهذا لا شك فيه.
(3) وهذا صحيح ترجيح النزول لأجل التعب والبحث ليس بشيء إنما العمدة بما يتعلق بحفظ الرجال وثقتهم واتصال السند فهذا هو محل البحث.
(4) فجر الأحد 17/ 5 / 1417 هـ
(5) وهذا يقع أيضًا فقد يروي النسائي أو أبو داود حديثًا فيه أحد عشر نفسًا ويأتي من هو دون النسائي بمسافة كأن يكون في القرن الرابع فيرويه من طرق مشايخ معمرين برجال مثل رجال النسائي أحد عشر فتأخر زمانه ووافق النسائي في عدد الرجال وهذا من باب علوم الإسناد التي قد تقع ولا تعلق بالصحة والضعف.