الصفحة 11 من 31

تعالى بالتعلق به، والكفر بما يعبد من دون الله البراءة منه، فإنه لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، قالوا: {أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ* } الآية [1] .

فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله، فلا خير في رجل جهال

الكفار أعلم منه بمعنى (( لا إله إلا الله ) ).

إذا عرفتَ ما ذكرتَ لك معرفة قلب، وعرفتَ الشرك [2] بالله الذي قال الله فيه: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} الآية وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى أخرهم الذي لا يقبل الله من أحد سواه وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا [3] ، أفادك فائدتين:

(1) سورة ص، الآية: 5.

(2) يُعرّف الشرك شرعًا بأنه تسوية غير الله بالله في ما هو من خصائص الله كما قال الله تعالى عن أهل الجحيم {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ} [الشعراء:96 - 98] ، وهو نوعان:

أ- أكبر: وهو دعوة غير الله معه أو صرف شيء من حقه سبحانه لأحد من خلقه.

ب- أصغر: وهو ما كان ذريعة إلى الأكبر أو جاء في النصوص تسميته شركًا ولم يصل إلى حد الأكبر مثل يسير الرياء، وقول ما شاء الله وشئت، والحلف بغير الله لفظًا بغير قصد تعظيم المحلوف به من دون الله.

تنبيه: وأما الشرك في الحاكمية وهو ـ الحكم والتحاكم ـ بغير الشرع فهو خطير وشؤمه كبير، لكنه ليس هو أول ما يدعى إليه، ويناظر فيه لأمور:

الأول: أنه أثر من آثار الجهل بتوحيد الإلهية والعبادة، أو الإعراض عنه، أو ضعفه في القلب.

الثاني: أنه كان موجودًا في عهد البعثة، ولم تكن الدعوة إليه ولا المناظرة فيه قبل توحيد الإلهية والعبادة.

الثالث: أن جملة ممن حكموا بغير الشرع ممن ينتسب إلى الإسلام إنما يحكم به لنوع شبهة أو شهوة أو لكونه مغلوبًا على أمره ممن هو أكبر منه وهذا من قبيل كبائر الذنوب لا المكفرات، لأنه وإن وجد مقتضى التكفير فقد يوجد مانع وتكفير الشخص المعين يحتاج إلى اكتمال أحكامه.

الرابع: يكون الحكم بغير الشرع كفرًا أكبر في أحوال منها:

أ ... إذا استحله معتقدًا أنه مثل الشرع أو أحسن منه أو أنه يسوغ الحكم به.

ب ... إذا سن القوانين الوضعية وألزم بها وحماها.

وبهذا يتبين أن لكل شخص حالةً ولكل حالةٍ حكم.

الخامس: أن غالب من خاضوا في شرك الحاكمية وشددوا فيه لُحظ عليهم تقصير أو تفريط في العناية في الدعوة إلى توحيد الإلهية والعبادة، وإنكار الشرك والبدع الموصلة إليه وأنهم ربما صانعوا خصومهم إذا حصل لهم ما يريدون من أمور الدنيا.

السادس: أن الدعوة إليه صارت مشوبة بشيء من حظ النفس، ومن الهوى وشهوة منازعة الحكام لذات الحكم، كما هو ظاهر من كلام المعنيين بذلك والمنظرين له.

(3) قول الشيخ رحمه الله: (( إذا عرفت ... الخ ) )المراد به ثلاثة أشياء:

الأول: العلم بمعنى لا إله إلا الله ومقتضاها وما يلزم لها وأنه إفراد الله

بالإلهية وإخلاص العبادة له والبراءة من الشرك وأهله.

الثاني: معرفة خطر الشرك ووجوب الخوف منه لأنه أكبر الكبائر وأعظم المهلكات فإنه يخرج من الملة ويحبط العمل ويحرم على من مات عليه المغفرة والجنة ويخلده في النار لذا وجب الخوف منه والبعد عن وسائله وحماه.

الثالث: معرفة دين الإسلام الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام والذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -.

1 -... فالإسلام العام الذي جاءت به جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم عليهم الصلاة والسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، فهو مشتمل على تحقيق التوحيد لله تعالى، وخلع الأنداد والكفر بالطاغوت.

2 -... والإسلام الخاص الذي جاء به النبي ?، فهو:

أ ... الإسلام العام الذي جاء به من سبقه من النبيين والمرسلين لكنه - صلى الله عليه وسلم - أكملهم فيه.

ب ... والشريعة الخاتمة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، فهو إسلام من جهتين:

ـ جهة العقيدة: فالإسلام الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، أتم توحيدًا، وأكمل استسلاما، وأظهر في الولاء والبراء.

ـ جهة الشريعة: وهي الشريعة المخصوصة التي جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - المتميزة باليسر والسماحة والشمول لكافة أمور الحياة والبراءة من الآصار والأغلال، والصالحة والمصلحة للناس من حين جاءت وإلى أن يأتي الله بأمره، فلا يقبل الله دينًا غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت