الصفحة 10 من 31

يدعوا الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله، ليشفعوا له أو يدعوا رجلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيًا مثل عيسى، وعرفت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة، كما قال تعالى: {وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا} [1] ، وكما قال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ} [2] ، وتحققتَ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع العبادات كلها لله، وعرفتَ أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم؛ عرفتَ حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون [3] ، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله. فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو شجرة، أو قبرًا، أو جنيًا لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد [4] ، فأتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي (( لا إله إلا الله ) )والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمة هو إفراد الله

(1) الحاجة بل الضرورة في كل زمان ومكان داعية إلى دعوة العباد إلى توحيد

ربهم سبحانه في اعتقاداتهم وأقوالهم وأفعالهم، فإنه شرط قبول العمل، وسبب النجاة من النار ودخول الجنة، وثمراته كثيرة وفضائله كبيرة، وقد وقع كثير من الناس فيما ينقص كماله الواجب، أو يقدح فيه ويخل به، وأكثرهم وقع فيما يضاده ويناقضه أو لم يعرف التوحيد بل هو معرض عنه ومستكبر عن الاستجابة للداعي إليه.

(2) سورة الرعد، آية: 14.

(3) العلم بالتوحيد هو أصل الاعتقاد، والعمل به هو أصل الملة، وهو خلاصة رسالات المرسلين النبيين، وزبدة الكتب المنزلة من رب العالمين، فلا شيء يعدل العلم بالتوحيد والعلم به ومعرفة ضده، والاستجابة لأمر الله تعالى بتوحيده، وتحقيقه قولا واعتقادًا وعملًا وطاعة لله تعالى والنهي عن ضده بتركه والبراءة منه ومن أهله.

(4) أ- سبق التنبيه على أن المشركين الأولين يعتقدون في أوثانهم وتماثيلهم أنها تحل فيها أرواح صالحة وأن تلك الأرواح تصعد إلى الله فتبلغه حاجاتهم وتتوسط لهم عنده.

ب- وأما شرك المتأخرين من المنتسبين إلى الإسلام فهو ما يعتقدونه فيمن يسمونهم السادة أو الأولياء وهو أن فيه السر، أي هو الذي يقصد لأجل التوسط، وبيده الإعطاء والمنع، ولهذا يقولون عنه قدس الله سره، ذلك لأنهم يجعلون لروحه سرًا، حتى إن بعضهم يجعل لهؤلاء السادة نصيبًا في الملك من جهة التفويض، أي حيث إن الله تعالى جعل لهم شيئًا من التصرف في الملك، فجعلوهم شركاء لله في الربوبية مع شركهم في الإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت