الصفحة 9 من 31

وهو الذي كسر [1] صور هؤلاء الصالحين، أرسله الله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون، ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين [2] فبعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق لله، لا يصلح منه شيء لغير الله لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلًا عن غيرهما. وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره، فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول - صلى الله عليه وسلم - يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [3] .

وقوله: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [4] .

فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا (( الاعتقاد ) ) [5] كما كانوا يدعون الله ليلًا ونهارًا ثم منهم من

(1) كسَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأصنام التي كانت حول الكعبة وذلك عام فتح مكة شرفها الله حينما كان ينكتها بقوسه وهو يطوف بالكعبة فتخر على وجوهها، ولما دخل الكعبة غسل الصور الموجودة في داخلها حتى أزال معالمها وبعث جماعة من أصحابه لكسر الأوثان والأصنام المتخذة آلهة عند قبائل متفرقة من العرب كالعزى، واللات، وذي الخلصة ونحوها.

(2) كان شرك المشركين الأولين هو التوسل بالتماثيل والأوثان لاعتقادهم أنها توصل إلى الأرواح التي تصعد إلى الملأ الأعلى فتوصل طلباتهم وحوائجهم التي يريدونها من الله خالقهم ومالكهم ومدبرهم، ـ ويزعمون أن الله ـ يستجيب لهذه الوساطة فيقضي الحاجة، فكانوا يتوسلون لحاجاتهم إلى الله تعالى بأمرين:

1 -... بصور الصالحين وتماثيلهم إلى أرواحهم.

2 -... بالأوثان إلى الأرواح التي تحل فيها.

(3) سورة يونس، الآية: 31.

(4) سورة المؤمنون، آية: 84 - 89.

(5) شرك المتأخرين في الإلهية ـ من المنتسبين للإسلام ـ هو الذي يسمونه (( اعتقادًا ) )، فيقولون: فلان فيه عقيدة، ويعنون أنه يصلح أن يعتقد فيه ـ أي أنه ينفع ـ، وإذا قالوا في حق شخص (( سيد ) )، فيعنون به أنه يصلح لأن يوسط بين من يعتقد فيه السيادة وبين الله، وأن الاعتقاد فيه ينفع إذا تشبث به، وطلب منه أن يطلب لهم من الله حوائجهم، فيقصدون بالسيد والولي أنه يصلح للالتجاء إليه وينفع إذا اعتقد فيه الشفاعة عند رب العالمين، وأنه يفيض عليهم من بركته، وهذا بعينه هو شرك الأولين الذين تعلقوا بالصالحين لطلب الشفاعة والتقريب، فحقيقة دين الخرافيين المتأخرين أمران:

أحدهما: أنهم يعتقدون فيمن يزعمون أنه سيد نفس ما يعتقده أهل الجاهيلة في الأصنام والأوثان من قضاء الحاجة والشفاعة والتقريب.

الثاني: أنهم زُيِّن لهم سوء عملهم فزعموا أن ما هم عليه من الشرك دين يحبه الله تعالى، وهو أبغض شيء إليه، وأعظم ذنب عُصي الله به، ومن هذا شأنه فإنه يبعد أن يتوب من أمر يعتقده دينًا وقربة كما قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت