فهرس الكتاب
أتوه قائلين: {كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [1] الآية فحينئذ حرصك يعظم وخوفك على ما يخلصك من هذا وأمثاله [2] .
واعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له
أعداء [3] ، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا} [4] ، وقد يكون لأعداء التوحيد علومٌ كثيرة وكتب وحُجج كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ} [5] .
(1) سورة الأعراف، آية: 138.
(2) الأمور التي توقع صاحبها في الكفر متنوعة منها:
أ ... الإعراض عن فهم الحق وتعلمه مع الحاجة إليه، وهو صفة أهل الجفاء، وأخلاق النصارى، والمسلم منهيٌّ عن التشبه بهم، والتعرض لوعيدهم.
ب ... معرفة الحق وترك العمل بالواجب منه وهو من الكبر والعناد الذي غضب الله على اليهود بسببه، ولعنهم، وجعل منهم القردة، والخنازير، وعبد الطاغوت، وقال عنهم (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [المائدة:60] .
ج- إقدام بعض الناس على ترك ما يجب عليه من الحق خوفًا من ملامة، أو طلبًا لجاه أو دنيا، وهذا نوع من النفاق كفر الله أهله، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، والإكراه إنما يكون على القول والفعل، لا على عقيدة القلب، فإن الله تعالى قد كفر قومًا في آخر سورة النحل بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فدل على أن إيثار الدنيا قد يكون كفرًا، وإن لم يكن مستحبًا للكفر بل لكونه مستحبًا للحياة الدنيا.
د- ومن الناس من يكفر بكلمة يتفوه بها لا يلقي لها بالًا يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب كالذي يتألى على الله أو يعترض بها على قدره، أو يقول كلمة ينتقص بها الدين وأهله هازلًا أو مازحًا لينال حظوة عند سلطان، أو شهرة بين الناس، أو شيئًا من حطام الدنيا، أو ليحافظ
على منزلته ومنصبه.
هـ - ومن الناس من يكفر بعد إيمانه من غير إكراه لخوفٍ متوهمٍ أو مدارةٍ لمعظم، أو مشحةٍ في مالٍ أو ولدٍ ووطنٍ وعشيرةٍ فيداهن الكفار على كفرهم من أجل ذلك.
(3) اقتضت حكمة الله تعالى أن يبتلي أهل التوحيد بأعداء من شياطين الجن والإنس لحكم كثيرة، وغايات محمودة منها:
1 -... أن يتبين أن الله تعالى اختار أولياءه الذين يستحقون فضله وكرامته على علم ليقينهم وثباتهم على الحق.
2 -... أن يظهر الله الفرقان بين أهل الحق وأهل الباطل بشيء بشري وليس سماوي، هذا هو الأصل وقد ينعم الله بشيء من عنده من السماء كتأييد بملائكة ونحوهم.
3 -... أن يجعل الله تعالى أهل الحق قدوةً لمن بعدهم في صبرهم على الحق مع كثرة الشبه.
(4) سورة الأنعام، آية: 112.
(5) ينبغي للعالم والداعية إلى الله تعالى أن يعرف حال الخصوم، وما عندهم
من العلوم والحجج التي قد يوردونها عليه حين دعوته لهم للحق من أجل الاستعداد لمناظرتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن للرد عليهم بسلاحهم، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ} الآية [غافر:83] ، ولما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليمن قال له: (( إنك تأتي قومًا أهل كتاب ... ) )الخ، فمن هدي القرآن والسنة معرفة ما عند الخصوم من العلم والشبه والاستعداد لمناظرتهم طلبًا لهدايتهم وإقامة الحجة عليهم، فيحتاج طالب العلم والداعية إلى الله تعالى إلى أمور:
الأول: أن يفهم ما عند أهل الباطل من العلم والحجج التي يشبّهون بها حتى يرد عليهم.
الثاني: أن يفهم الحجج الشرعية والعقلية التي يظهر بها الحق ويقيم بها الحجة على الخصم.
الثالث: إذا كان الخصوم يتكلمون بغير لسانه فإن تيسر له معرفة لسانهم فليحرص عليه ـ ليعرف مصطلحاتهم وليباشر مناظرتهم بلا ترجمان.