فهرس الكتاب
والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ... [1] ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله، إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك فتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوا ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه نفسه؟.
ولهم شبهة أخرى وهي: قصة إبراهيم ــ عليه السلام ــ لما أُلقي في النار
اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم [2] : أما إليك فلا.
قالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم؟.
فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: {شَدِيدُ القُوَى} [3] ، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير
(1) سورة القصص، آية 16.
(2) ومن شبه أعداء توحيد الأنبياء والمرسلين قولهم: (( لو كانت الاستغاثة بجبريل عليه السلام شركًا لم يعرضها على إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ) ).
وكشفها بالجواب التالي:
أولًا: أن القصة ضعيفة من حيث السند ـ وإن كان معناها صحيحًا ـ ففي ثبوتها نظر.
ثانيًا: أن جبريل عرض على إبراهيم عليهما الصلاة والسلام أن ينفعه بأمر يقدر عليه ــ بإذن الله تعالى ــ فإنه كما وصفه الله تعالى بقوله شديد القوى.
ثالثًا: أنها استغاثة حاجة بحيٍّ حاضر يسمع النداء ويغيث بما يقدر عليه، ففرقٌ بين هذا وبين الاستعانة بميت أو غائب أو حاضر في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
(3) سورة النجم، آية: 5.