فهرس الكتاب
يرى رجلًا محتاجًا فيعرض عليه أن يقرضه، أو أن يهبه شيئًا يقضي به حاجته فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون.
ولنختم الكلام ـ إن شاء الله تعالى ـ بمسألة عظيمة مهمة تُفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل [1] فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: هذا حق ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، لكنا لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار. ولم يدرِ المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى: {اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [2] ، وغير ذلك من الآيات كقوله: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [3] .
فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا وهو لا يفهمه، ولًا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص لقوله تعالى: {إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [4] ، وهذه المسألة كبيرة وطويلة تبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا، أو جاه، أو مداراة لأحد، وترى من يعمل ظاهرا لا باطنًا فإذا سألته عما يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله: أولاهما قوله تعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} .
فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب تبيَّن لك أن الذي يتكلم بالكفر، أو يعمل به خوفًا من نقص مال، أو جاه، أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.
(1) وهي الفائدة العظيمة: أنه لابد أن يكون الشخص موحدًا باعتقاده وقوله وعمله وأنه لا يكفي التوحيد بالقلب ـ كما زعموا ـ لوجوه:
1)... أن من زعم أنه موحد بقلبه، وهو لم يوحد بقوله وعمله فهو غير صادق، لأن توحيد القلب يتبعه توحيد القول والعمل، لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن في الجسد مضغة ... ) ).
2)... أن توحيد القلب لله تعالى بالربوبية هو توحيد فرعون الذي استيقن قلبه صدق موسى وأحقية ما جاء به، لكنه أصّر وعاند، وبقي على ما كان عليه من دعوى الربوبية حتى أهلكه الله.
3)... أن الواجب على الصادق في توحيد قلبه أن يلتمس رضى الله ولو سخط الناس، لا أن يلتمس رضى الناس ولو سخط الله، حتى لا يكون من أهل الباطل القائلي {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] .
وإلى هنا انتهت التعليقات على هذه الرسالة المباركة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبالعمل الصالح تطيب الحياة قبل الممات وبعد الممات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه صلاةً وسلامًا دائمين كاملين إلى يوم حشر البريّات.
(2) سورة التوبة، آية:9.
(3) سورة البقرة، آية: 146.
(4) سورة التوبة، آية: 145.