الصفحة 32 من 128

الصفات. ومن ثَمَّ يتضح لنا أن القول بالباطن هو الأساس الذي جعلهم يقصرون دلالة التأويل على هذا المعنى.

واستغلت الباطنية المعنى الأخير للتأويل ـ بعد أن استندوا على حديث ينسب إلى الرسول صلى الله عليه و سلم"للقرآن ظهر وبطن"أو"للقرآن باطن"ـ فراحوا يفسرون القرآن الكريم وفق هواهم، وتبعا لأذواقهم ومواجيدهم الباطلة شرعا، وقد رد ابن تيمية ـ رحمه لله ـ هذا الحديث فقال:"أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المختلفة التي لم يروها أحد من أهل العلم، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث"(

والتأويل بهذا المعنى ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: يوافق العلم الظاهر، وهو إما صحيح مقبول أو باطل مردود أو ملتبس فيتوقف عنه.

أما إذا كان التأويل مخالفًا للعلم الظاهر فهو باطل شرعًا، والقائل به إما ملحد زنديق أو جاهل ضال (

والمتأول بالمعنى الأخير مطالب بأمرين:

1_ أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى أنه المراد منه.

2_ أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح.

وقد دأب العلماء على التفريق بين التفسير والتأويل، ولهم في ذلك أقوال متعددة:

*فمنهم من قال:"التفسير هو تحقيق المعنى وذلك لا يكون إلا من قبل الله تعالى، والتأويل هو على احتمال اللغات، فلكل واحد من أهل اللغة أن يتأول بلغته ("

*"ومنهم من قال التفسيرهو ذكر القصص وما أنزل فيه، والتأويل هو ما يحتمله معنى الكلام"(

ويشير الزركشي إلى السبب العلمي والمنهجي في التفريق بين التفسير والتأويل وجعل كل منهما ذا دلالة محددة وواضحة، ومتميزة ومخالفة لدلالة الآخر، وذلك حيث يقول:"والحق إن علم التفسير منه ما يتوقف على النقل كسبب النزول والنسخ وتعيين المبهم، وتبيين المجمل، ومنه ما لا يتوقف ويكفي في تحصيله التفقه على الوجه المعتبر، وكأن السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير والتأويل، التمييز بين المنقول والمستنبط، ليحمل على الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط، تجويزًا له وازديادًا، وهذا من الفروع في الدين ("

ويُفهم من هذا الكلام ومن الذي قبله أن التفسير يتعلق بالرواية، وأما التأويل فمرتبط بالدراية وإعمال النظر، ولكل منهما شروط صحة وقبول.

وخلاصة القول أنه يتعين علينا التفريق بين جيلين من المفسرين، فالاول منهما كان يستعمل اللفظين بمعنى واحد، وعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت