الصفحة 21 من 22

عمَّم الغالب هذا المعنى فهو يقول: الشاطئ أبيٌّ، لا يميل إلى النهر الذي حضَنه، ولكن إذا طغى النهر فلن يكون الساحل حريفًا ومقابلًا له، فيتهدم الشاطئ وينكسر كسرة كسرة، وينحلُّ وجوده في النهر، فهكذا، حيثما كنت أنت ساقيًا فدعوى الصحوة باطلة؛ يعني: لا يستطيع أحد أن يبقى على حاله.

ليالي الهجر والفراق موضوعٌ عامٌّ لشعراء الشرق؛ فقد أكثر شعراء العربية والفارسية والأوردية قريضهم فيها، وكذا كان هذا موضوعًا خاصًّا لشعراء العربية قبل المتنبي، وقد حاول المتنبي أنْ يقدِّمه بأسلوبه الخاص ونجح فيه، فهو يقول:

أُحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ = لُيَيلتُنا المَنوطةُ بالتَّنادِ

فالشاعر يذكر طول ليلِ الهجر، ويتخيَّل أنَّ سلسلة هذا الليل الطويل تَنتهي إلى قيام الساعة! ذكر امرؤ القيس هذا المعنى بأسلوب شعريٍّ جميل، فهو يقول:

ويا لَك من ليلٍ كأنَّ نجومَه = بأمراسِ كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَندَلِ

اعترض مؤيِّدو ومخالفو المتنبي على بيته المذكور أعلاه من مختلِف الجهات؛ فيقول القاضي الجرجاني: إنَّ"خُماس"و"سُداس"لم يجئ استخدامُهما من قِبَل العرب؛ فهم يستخدمون مجرد"أُحاد"و"مَثنى"و"ثُلاث"و"رُباع"و"عُشار".

وثانيًا إنَّ تلك الأعداد لا تَعني إلا تكرار العدد؛ أي:"أُحاد"يعني:"واحدًا واحدًا"، و"مثنى"يَعني:"اثنين واثنين"، فصاعدًا، فاعتبار ليل واحدٍ بـ"أُحاد"و"سُداس"خطأٌ فاحش.

ويَمضي قائلًا: لو أراد المتنبِّي الإحاطة بالليالي السبعة، فهذا أيضًا لا يَسوغ؛ فإنه لو ضرب ستَّة في واحد لكان ستة ولا سبعة، وإن أراد كثرة العدد فلمَ استخدم سبعة، ولمَ لم يستخدم عددًا أكبر من ذلك؟!

ثم اعتبار هذا الليل الطويل بـ"لُيَيلة"خطأٌ آخر؛ فهذا مصغَّر الليل، وأرى أنَّ المتنبي أراد هنا مجرد طول الليل، وقال إنَّ ليلًا واحدًا له طويل إلى حدِّ أنَّه ينضمُّ فيه ستة ليالٍ أخرى، وهكذا فيمكن توجيه سبعة ليالٍ، ولكنه يَصعُب إثباته من نص الشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت